توقيت القاهرة المحلي 17:11:00 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الأمانى والمنايا

  مصر اليوم -

الأمانى والمنايا

بقلم:أسامة غريب

أثناء سفرات المغامرات التى قمنا بها إلى أوروبا فى بواكير الشباب عند حلول عطلات الدراسة الجامعية، كثيرا ما تعرضنا لظروف سيئة من شح المال وقلة الطعام وغياب سقف يأوينا عند النوم فى المساء تحت شجرة فى أى حديقة لا تغلق أبوابها. فى تلك الأثناء كنت أتصور أن الذى يمتلك غرفة دافئة وحمّامًا هو أسعد واحد فى الكون، وبالتالى لا يحق له أن يشكو من أى شىء حتى لو عاكسته الدنيا أو نكدت عليه بواحد أو أكثر من فصولها البايخة، فكل شىء يهون ما دام فى آخر اليوم سيعود إلى فراشه الدافئ حيث لا يمكن للمطر أو الريح أن ترعش فرائصه وتقرص عظامه طول الليل.
يجول هذا ببالى دائما كلما سافرت للخارج وصادفت شحاذا رقيق الحال فى مونتريال أو ستوكهولم أو غيرها من العواصم الغربية. والشحاذون هناك أنواع، منهم المهندم الطبيعى الشكل، ومنهم الرث الذى طبعت الحياة عليه بصماتها القاسية، وكلما نظرت لواحد من هؤلاء وبالذات النوع بائس المظهر الذى لا يستحم ضحكتُ من سخرية القدر، لإدراكى أن هذا المتسول يتصور أن من يمتلك شطيرة وزجاجة من الجعة هو بالضرورة إنسان سعيد، وفى الوقت نفسه أتذكر أن هناك ملايين فى بلادنا يحسدون هذا الشقى التعس الذى يسكن فى علبة من الكرتون على الرصيف على جنسيته الكندية أو السويدية أو السويسرية، ومنهم المستعد أن يترك له مسكنه بالقاهرة أو بغداد أو دمشق أو طرابلس أو صنعاء، ويتنازل له عن وظيفته وراتبه الشهرى وسيارته مقابل أن يحصل على جواز سفره. وقد عبّر أحد أصدقائى عن هذا صراحة عندما تمنّى أن يقايضه متسول أوروبى ويأخذ كل منهما ما لدى الآخر!
غير خافٍ أن من يلجأ للتسول فى هذه البلاد التى توفر للناس أقصى درجات الرعاية الاجتماعية والصحية وتقدم إعانة بطالة وتأوى المشردين ولا تدع مواطنا مضطرا للمبيت فى العراء.. غير خافٍ أن هؤلاء هم فى الغالب من مدمنى المخدرات الذين ينفقون الإعانة ويبيعون كوبونات الطعام لشراء المخدر ثم يتحولون للتسول بعد ذلك.. هم إذن الذين يفعلون ذلك بأنفسهم وليس المجتمع. غير أن هناك أنواعا أخرى من المتسولين يغلب عليهم الصعلكة والاستهتار.. من هذا النوع صادفت مرة شابا وشابة يجلسان على الرصيف فى تورونتو وبجوارهما لافتة من الكرتون كتبا عليها: «لا نريد سوى أن نغرق فى السكْر».. بصراحة أعجبتنى شفافيتهما.. لم يدعيا أنهما يريدان شراء كتب أو دفع نفقات الجامعة، ولم يقل أحدهما أن أمه مريضة وأخته سقطت من البلكونة أثناء نشر الغسيل، بل كشفا عن السبب الحقيقى للتسول.. ويبدو أنه حتى الإنسان البائس المتسول فى البلاد الحرة تكون أخلاقه معقولة، على العكس من مثيله فى بلادنا التعيسة التى يمارس فيها كل الناس، غنيهم وفقيرهم، الكذب الاستباقى وعلى سبيل الاحتياط!. وعلى الرغم من أننى لا أقدم فلوسًا للمتسولين فى العادة فقد وجدتنى أمنح هذين الشابين شيئًا من المال متمنيًا لهما أوقاتًا طيبة. متسول آخر طريف وضع بجواره لافتة كتب عليها: «جائع ومفلس وضحية للدهر». نظرت إليه محاولا أن أفهم ما فعل الدهر به فوجدته يجلس فى هدوء شاخصًا ببصره نحو الأفق.. وهذا أيضا نفحته بعض الفكة.
نعود إلى الواقع المرير فى بلادنا لنتذكر كما أسلفت أن هناك الطبيب والمهندس والمحامى والمحاسب والتاجر الذين لا يتردد الواحد منهم فى منح الخواجة المتسول عيادته وبيته ومكتبه ودكانه مقابل أن يحصل على جنسيته وجواز سفره. فعلى العكس من أمم كثيرة يكون الدافع إلى الهجرة منها هو الفقر، فإن بلادنا العربية تقدم للمواطن حوافز أخرى للفرار منها!.. فحتى الأغنياء والمستورين لا يضمن أحد منهم ما يحدث له غدا أو ما قد يواجه أبناءه من بعده فى أوطان ليست بها قياسات صحيحة تنبئك بما يحمله الغد. من هنا تأتى أهمية الباسبور الأجنبى الذى قد ينجيه من الجحيم فى بلاد ضاع منها الطريق ولا َتعِد المواطن إلا بالسجن لو عبّر عن رأيه، أو بالبراميل المتفجرة التى قد تسقط على رأسه وهو آمن، أو حتى بالحياة الذليلة التى يضطر فيها إلى تحية من لا يحترمهم وامتداح بعض من يزدريهم من دون أن يكون هذا حتى كافيا لنجاته من الموت فى تفجير إرهابى يريد صاحبه أن يدخل الجنة!
لا يعرف الشحاذ الهولندى هذا كله ولا يدرك أن هناك من يحسدونه على حريته وعلى أنّ رئيس وزرائه لا يستطيع أن يرفع إصبعا فى وجهه وهو يكلمه، وأن ملكة البلاد لا يمكنها أن تتجاهله لو أرسل لها خطابا.. ولكن حتى لو عرف، أتراه يسعد بما هو فيه؟ أغلب الظن أنه لو عرف لما صدّق ولاستهان بما فى يده ووافق على المقايضة التى قد يكون فيها هلاكه!
ليس مستغربا إذن أن يتطلع كل واحد بلهفة إلى ما يفتقده، لكن المحزن حقا هو أن يصل المرء لمرحلة يحسد فيها الشحاذ ويغبط ماسح دورات المياه، فهذا يعبر فى رأيى عن أقسى درجات الألم والعدمية فى آن، وقد عبر المتنبى عن شىء يشبه هذا عندما قال: كفى بك داءً أن ترى الموت شافيا..وحسْبُ المنايا أن يكنّ أمانيا.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الأمانى والمنايا الأمانى والمنايا



GMT 10:23 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

عملاق يكتب عن عملاق... إنه عظيم ومبجل

GMT 09:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

إيران تنقل المعركةَ إلى الكويت واليمن

GMT 09:20 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

الحوثي... حكايات إمامية

GMT 08:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

العراق: الوطنيّة في مسارها الصعب والطويل

GMT 08:17 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

جولة حرب أخرى؟!

GMT 08:15 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

حرب ومواقف ذات دلالات

GMT 08:14 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

أندي بيرنهام... ثائر بريطاني؟!

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - عون يؤكد أن نزع سلاح حزب الله ممكن حال توفر 3 شروط

GMT 08:19 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

ترمب يفرض رسوماً جمركية على واردات كندية

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 08:01 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 22:00 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وصفات طبيعية لتنظيف الأثاث المعدني

GMT 15:45 2025 الثلاثاء ,17 حزيران / يونيو

أهم صيحات الموضة الخاصة بفساتين السهرة

GMT 22:47 2024 الإثنين ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

مجوهرات بتصاميم فريدة تجمع بين الجرأة والرقة

GMT 14:26 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 22:42 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

روبوتات نانوية لتوصيل الدواء داخل جسم الإنسان

GMT 18:47 2021 الثلاثاء ,23 شباط / فبراير

عادات خاطئة تفعلها عند شرب الماء تؤدي إلى الموت

GMT 17:17 2019 الأحد ,22 كانون الأول / ديسمبر

حريق في مبنى الخارجية المصرية

GMT 01:20 2019 الإثنين ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

الفنان تامر حسني يحتفل بـ أحمد عصام بهذه الطريقة

GMT 07:33 2024 الجمعة ,16 شباط / فبراير

مفاجأة بشأن الشرط الجزائي في عقد هالاند
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt