توقيت القاهرة المحلي 13:51:21 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الأمانى والمنايا

  مصر اليوم -

الأمانى والمنايا

بقلم:أسامة غريب

أثناء سفرات المغامرات التى قمنا بها إلى أوروبا فى بواكير الشباب عند حلول عطلات الدراسة الجامعية، كثيرا ما تعرضنا لظروف سيئة من شح المال وقلة الطعام وغياب سقف يأوينا عند النوم فى المساء تحت شجرة فى أى حديقة لا تغلق أبوابها. فى تلك الأثناء كنت أتصور أن الذى يمتلك غرفة دافئة وحمّامًا هو أسعد واحد فى الكون، وبالتالى لا يحق له أن يشكو من أى شىء حتى لو عاكسته الدنيا أو نكدت عليه بواحد أو أكثر من فصولها البايخة، فكل شىء يهون ما دام فى آخر اليوم سيعود إلى فراشه الدافئ حيث لا يمكن للمطر أو الريح أن ترعش فرائصه وتقرص عظامه طول الليل.
يجول هذا ببالى دائما كلما سافرت للخارج وصادفت شحاذا رقيق الحال فى مونتريال أو ستوكهولم أو غيرها من العواصم الغربية. والشحاذون هناك أنواع، منهم المهندم الطبيعى الشكل، ومنهم الرث الذى طبعت الحياة عليه بصماتها القاسية، وكلما نظرت لواحد من هؤلاء وبالذات النوع بائس المظهر الذى لا يستحم ضحكتُ من سخرية القدر، لإدراكى أن هذا المتسول يتصور أن من يمتلك شطيرة وزجاجة من الجعة هو بالضرورة إنسان سعيد، وفى الوقت نفسه أتذكر أن هناك ملايين فى بلادنا يحسدون هذا الشقى التعس الذى يسكن فى علبة من الكرتون على الرصيف على جنسيته الكندية أو السويدية أو السويسرية، ومنهم المستعد أن يترك له مسكنه بالقاهرة أو بغداد أو دمشق أو طرابلس أو صنعاء، ويتنازل له عن وظيفته وراتبه الشهرى وسيارته مقابل أن يحصل على جواز سفره. وقد عبّر أحد أصدقائى عن هذا صراحة عندما تمنّى أن يقايضه متسول أوروبى ويأخذ كل منهما ما لدى الآخر!
غير خافٍ أن من يلجأ للتسول فى هذه البلاد التى توفر للناس أقصى درجات الرعاية الاجتماعية والصحية وتقدم إعانة بطالة وتأوى المشردين ولا تدع مواطنا مضطرا للمبيت فى العراء.. غير خافٍ أن هؤلاء هم فى الغالب من مدمنى المخدرات الذين ينفقون الإعانة ويبيعون كوبونات الطعام لشراء المخدر ثم يتحولون للتسول بعد ذلك.. هم إذن الذين يفعلون ذلك بأنفسهم وليس المجتمع. غير أن هناك أنواعا أخرى من المتسولين يغلب عليهم الصعلكة والاستهتار.. من هذا النوع صادفت مرة شابا وشابة يجلسان على الرصيف فى تورونتو وبجوارهما لافتة من الكرتون كتبا عليها: «لا نريد سوى أن نغرق فى السكْر».. بصراحة أعجبتنى شفافيتهما.. لم يدعيا أنهما يريدان شراء كتب أو دفع نفقات الجامعة، ولم يقل أحدهما أن أمه مريضة وأخته سقطت من البلكونة أثناء نشر الغسيل، بل كشفا عن السبب الحقيقى للتسول.. ويبدو أنه حتى الإنسان البائس المتسول فى البلاد الحرة تكون أخلاقه معقولة، على العكس من مثيله فى بلادنا التعيسة التى يمارس فيها كل الناس، غنيهم وفقيرهم، الكذب الاستباقى وعلى سبيل الاحتياط!. وعلى الرغم من أننى لا أقدم فلوسًا للمتسولين فى العادة فقد وجدتنى أمنح هذين الشابين شيئًا من المال متمنيًا لهما أوقاتًا طيبة. متسول آخر طريف وضع بجواره لافتة كتب عليها: «جائع ومفلس وضحية للدهر». نظرت إليه محاولا أن أفهم ما فعل الدهر به فوجدته يجلس فى هدوء شاخصًا ببصره نحو الأفق.. وهذا أيضا نفحته بعض الفكة.
نعود إلى الواقع المرير فى بلادنا لنتذكر كما أسلفت أن هناك الطبيب والمهندس والمحامى والمحاسب والتاجر الذين لا يتردد الواحد منهم فى منح الخواجة المتسول عيادته وبيته ومكتبه ودكانه مقابل أن يحصل على جنسيته وجواز سفره. فعلى العكس من أمم كثيرة يكون الدافع إلى الهجرة منها هو الفقر، فإن بلادنا العربية تقدم للمواطن حوافز أخرى للفرار منها!.. فحتى الأغنياء والمستورين لا يضمن أحد منهم ما يحدث له غدا أو ما قد يواجه أبناءه من بعده فى أوطان ليست بها قياسات صحيحة تنبئك بما يحمله الغد. من هنا تأتى أهمية الباسبور الأجنبى الذى قد ينجيه من الجحيم فى بلاد ضاع منها الطريق ولا َتعِد المواطن إلا بالسجن لو عبّر عن رأيه، أو بالبراميل المتفجرة التى قد تسقط على رأسه وهو آمن، أو حتى بالحياة الذليلة التى يضطر فيها إلى تحية من لا يحترمهم وامتداح بعض من يزدريهم من دون أن يكون هذا حتى كافيا لنجاته من الموت فى تفجير إرهابى يريد صاحبه أن يدخل الجنة!
لا يعرف الشحاذ الهولندى هذا كله ولا يدرك أن هناك من يحسدونه على حريته وعلى أنّ رئيس وزرائه لا يستطيع أن يرفع إصبعا فى وجهه وهو يكلمه، وأن ملكة البلاد لا يمكنها أن تتجاهله لو أرسل لها خطابا.. ولكن حتى لو عرف، أتراه يسعد بما هو فيه؟ أغلب الظن أنه لو عرف لما صدّق ولاستهان بما فى يده ووافق على المقايضة التى قد يكون فيها هلاكه!
ليس مستغربا إذن أن يتطلع كل واحد بلهفة إلى ما يفتقده، لكن المحزن حقا هو أن يصل المرء لمرحلة يحسد فيها الشحاذ ويغبط ماسح دورات المياه، فهذا يعبر فى رأيى عن أقسى درجات الألم والعدمية فى آن، وقد عبر المتنبى عن شىء يشبه هذا عندما قال: كفى بك داءً أن ترى الموت شافيا..وحسْبُ المنايا أن يكنّ أمانيا.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الأمانى والمنايا الأمانى والمنايا



GMT 07:25 2026 السبت ,14 آذار/ مارس

شجاعة طرح الأسئلة الصعبة

GMT 07:23 2026 السبت ,14 آذار/ مارس

فضيحة الاستاكوزا!

GMT 07:21 2026 السبت ,14 آذار/ مارس

ستار أو ذريعة.. لا أكثر

GMT 07:19 2026 السبت ,14 آذار/ مارس

أسبوعان من الحرب

GMT 07:17 2026 السبت ,14 آذار/ مارس

حسابات خاطئة

GMT 07:16 2026 السبت ,14 آذار/ مارس

الهروب الكبير!

GMT 09:35 2026 الجمعة ,13 آذار/ مارس

شقق للقصف

GMT 09:29 2026 الجمعة ,13 آذار/ مارس

لبنان… والإفلات من مصير “الحرس الثوري”

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 06:22 2024 الجمعة ,09 آب / أغسطس

عمرو أديب يحذر من فيلم سبايدر مان الجديد

GMT 07:47 2024 الأربعاء ,30 تشرين الأول / أكتوبر

نصائح لتحديد أفضل وقت لحجز رحلاتكم السياحية بسعر مناسب

GMT 03:45 2020 الخميس ,16 كانون الثاني / يناير

جامعة أسيوط تعلن إنشاء أول كلية تكنولوجية ومدرسة فنية

GMT 22:51 2019 الخميس ,05 أيلول / سبتمبر

تفاصيل القبض على المطربة الشعبية بوسى

GMT 06:31 2019 الأربعاء ,27 آذار/ مارس

"الطماطم" تحمي من ارتفاع ضغط الدم
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt