توقيت القاهرة المحلي 18:54:10 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الأمانى والمنايا

  مصر اليوم -

الأمانى والمنايا

بقلم:أسامة غريب

أثناء سفرات المغامرات التى قمنا بها إلى أوروبا فى بواكير الشباب عند حلول عطلات الدراسة الجامعية، كثيرا ما تعرضنا لظروف سيئة من شح المال وقلة الطعام وغياب سقف يأوينا عند النوم فى المساء تحت شجرة فى أى حديقة لا تغلق أبوابها. فى تلك الأثناء كنت أتصور أن الذى يمتلك غرفة دافئة وحمّامًا هو أسعد واحد فى الكون، وبالتالى لا يحق له أن يشكو من أى شىء حتى لو عاكسته الدنيا أو نكدت عليه بواحد أو أكثر من فصولها البايخة، فكل شىء يهون ما دام فى آخر اليوم سيعود إلى فراشه الدافئ حيث لا يمكن للمطر أو الريح أن ترعش فرائصه وتقرص عظامه طول الليل.
يجول هذا ببالى دائما كلما سافرت للخارج وصادفت شحاذا رقيق الحال فى مونتريال أو ستوكهولم أو غيرها من العواصم الغربية. والشحاذون هناك أنواع، منهم المهندم الطبيعى الشكل، ومنهم الرث الذى طبعت الحياة عليه بصماتها القاسية، وكلما نظرت لواحد من هؤلاء وبالذات النوع بائس المظهر الذى لا يستحم ضحكتُ من سخرية القدر، لإدراكى أن هذا المتسول يتصور أن من يمتلك شطيرة وزجاجة من الجعة هو بالضرورة إنسان سعيد، وفى الوقت نفسه أتذكر أن هناك ملايين فى بلادنا يحسدون هذا الشقى التعس الذى يسكن فى علبة من الكرتون على الرصيف على جنسيته الكندية أو السويدية أو السويسرية، ومنهم المستعد أن يترك له مسكنه بالقاهرة أو بغداد أو دمشق أو طرابلس أو صنعاء، ويتنازل له عن وظيفته وراتبه الشهرى وسيارته مقابل أن يحصل على جواز سفره. وقد عبّر أحد أصدقائى عن هذا صراحة عندما تمنّى أن يقايضه متسول أوروبى ويأخذ كل منهما ما لدى الآخر!
غير خافٍ أن من يلجأ للتسول فى هذه البلاد التى توفر للناس أقصى درجات الرعاية الاجتماعية والصحية وتقدم إعانة بطالة وتأوى المشردين ولا تدع مواطنا مضطرا للمبيت فى العراء.. غير خافٍ أن هؤلاء هم فى الغالب من مدمنى المخدرات الذين ينفقون الإعانة ويبيعون كوبونات الطعام لشراء المخدر ثم يتحولون للتسول بعد ذلك.. هم إذن الذين يفعلون ذلك بأنفسهم وليس المجتمع. غير أن هناك أنواعا أخرى من المتسولين يغلب عليهم الصعلكة والاستهتار.. من هذا النوع صادفت مرة شابا وشابة يجلسان على الرصيف فى تورونتو وبجوارهما لافتة من الكرتون كتبا عليها: «لا نريد سوى أن نغرق فى السكْر».. بصراحة أعجبتنى شفافيتهما.. لم يدعيا أنهما يريدان شراء كتب أو دفع نفقات الجامعة، ولم يقل أحدهما أن أمه مريضة وأخته سقطت من البلكونة أثناء نشر الغسيل، بل كشفا عن السبب الحقيقى للتسول.. ويبدو أنه حتى الإنسان البائس المتسول فى البلاد الحرة تكون أخلاقه معقولة، على العكس من مثيله فى بلادنا التعيسة التى يمارس فيها كل الناس، غنيهم وفقيرهم، الكذب الاستباقى وعلى سبيل الاحتياط!. وعلى الرغم من أننى لا أقدم فلوسًا للمتسولين فى العادة فقد وجدتنى أمنح هذين الشابين شيئًا من المال متمنيًا لهما أوقاتًا طيبة. متسول آخر طريف وضع بجواره لافتة كتب عليها: «جائع ومفلس وضحية للدهر». نظرت إليه محاولا أن أفهم ما فعل الدهر به فوجدته يجلس فى هدوء شاخصًا ببصره نحو الأفق.. وهذا أيضا نفحته بعض الفكة.
نعود إلى الواقع المرير فى بلادنا لنتذكر كما أسلفت أن هناك الطبيب والمهندس والمحامى والمحاسب والتاجر الذين لا يتردد الواحد منهم فى منح الخواجة المتسول عيادته وبيته ومكتبه ودكانه مقابل أن يحصل على جنسيته وجواز سفره. فعلى العكس من أمم كثيرة يكون الدافع إلى الهجرة منها هو الفقر، فإن بلادنا العربية تقدم للمواطن حوافز أخرى للفرار منها!.. فحتى الأغنياء والمستورين لا يضمن أحد منهم ما يحدث له غدا أو ما قد يواجه أبناءه من بعده فى أوطان ليست بها قياسات صحيحة تنبئك بما يحمله الغد. من هنا تأتى أهمية الباسبور الأجنبى الذى قد ينجيه من الجحيم فى بلاد ضاع منها الطريق ولا َتعِد المواطن إلا بالسجن لو عبّر عن رأيه، أو بالبراميل المتفجرة التى قد تسقط على رأسه وهو آمن، أو حتى بالحياة الذليلة التى يضطر فيها إلى تحية من لا يحترمهم وامتداح بعض من يزدريهم من دون أن يكون هذا حتى كافيا لنجاته من الموت فى تفجير إرهابى يريد صاحبه أن يدخل الجنة!
لا يعرف الشحاذ الهولندى هذا كله ولا يدرك أن هناك من يحسدونه على حريته وعلى أنّ رئيس وزرائه لا يستطيع أن يرفع إصبعا فى وجهه وهو يكلمه، وأن ملكة البلاد لا يمكنها أن تتجاهله لو أرسل لها خطابا.. ولكن حتى لو عرف، أتراه يسعد بما هو فيه؟ أغلب الظن أنه لو عرف لما صدّق ولاستهان بما فى يده ووافق على المقايضة التى قد يكون فيها هلاكه!
ليس مستغربا إذن أن يتطلع كل واحد بلهفة إلى ما يفتقده، لكن المحزن حقا هو أن يصل المرء لمرحلة يحسد فيها الشحاذ ويغبط ماسح دورات المياه، فهذا يعبر فى رأيى عن أقسى درجات الألم والعدمية فى آن، وقد عبر المتنبى عن شىء يشبه هذا عندما قال: كفى بك داءً أن ترى الموت شافيا..وحسْبُ المنايا أن يكنّ أمانيا.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الأمانى والمنايا الأمانى والمنايا



GMT 09:12 2026 الجمعة ,05 حزيران / يونيو

شقراء القرن

GMT 09:11 2026 الجمعة ,05 حزيران / يونيو

الدور الإيراني في تدمير الحلم الفلسطيني

GMT 09:08 2026 الجمعة ,05 حزيران / يونيو

الزعيم كيم و«شيخ الجبل سنان»

GMT 09:05 2026 الجمعة ,05 حزيران / يونيو

الاستنزاف الذي لا ينتهي!

GMT 09:03 2026 الجمعة ,05 حزيران / يونيو

الوعي المتقطع بإشارات الأرض

GMT 09:01 2026 الجمعة ,05 حزيران / يونيو

حرب غريبة وتغطيتها غريبة

GMT 08:59 2026 الجمعة ,05 حزيران / يونيو

جنوب لبنان بين هدنة هشّة ونداء صلب

GMT 06:55 2026 الجمعة ,05 حزيران / يونيو

نجيب محفوظ يقول: «لا أفكر في الخلود»!

نانسي عجرم تخطف الأنظار بتصاميم نيكولا جبران في جولتها العالمية

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 02:44 2025 الأربعاء ,21 أيار / مايو

تكساس الأميركية تسجل 4 إصابات جديدة بالحصبة

GMT 09:36 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج الدلو

GMT 02:30 2026 الجمعة ,06 شباط / فبراير

وصفة طبيعية لتفتيح الهالات السوداء تحت العين

GMT 21:19 2017 الأحد ,04 حزيران / يونيو

زهير مراد يعلن عن فساتين زفاف لربيع وصيف 2017

GMT 11:21 2025 الأحد ,16 تشرين الثاني / نوفمبر

عبايات عصرية مستوحاة من أسلوب مدونات الموضة الإماراتيات

GMT 15:23 2025 الجمعة ,12 أيلول / سبتمبر

مواصفات هاتف هونر الجديد Honor X50i+

GMT 08:06 2018 الأربعاء ,21 تشرين الثاني / نوفمبر

فوائد الشمام لتخفيض خطر الإصابة بأمراض الرئة

GMT 10:44 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

الأهلي يواجه الزمالك في ختام سوبر اليد الليلة

GMT 23:37 2021 الإثنين ,11 تشرين الأول / أكتوبر

مباحثات بين أمير قطر وملك الأردن الثلاثاء في الدوحة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt