توقيت القاهرة المحلي 05:02:02 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الصديق الذى يُنكرنا

  مصر اليوم -

الصديق الذى يُنكرنا

بقلم:أسامة غريب

كان لنا فى الأزمنة الغابرة صديق أتى من الريف ليلتحق بالجامعة فى القاهرة، وكان لا يخفى إعجابه بكل مايراه فى «مصر» وكثيرًا ما سمعناه يردد ندمه على السنوات التى ضاعت من عمره بعيدًا عن أم الدنيا. ونظرًا لاغترابه فقد كنا نحن القاهريين ندعوه ليأكل معنا فى بيوتنا طبيخًا مما تصنعه الأمهات. وذات مرة كنا نتغدى عند صديق لنا فى المنيل وكان صاحبنا الريفى بصحبتنا عندما وجدناه يتأوه من حلاوة طبق أرز كان مشتبكًا معه بكليّـته لدرجة أنه كان يناجيه ويتحدث إليه فى شوق. وما كاد يفرغ من الطبق حتى سألنى عن ماهية هذا النوع من الأرز فقلت له إن هذا الطبق الذى لحس عقله هو أرز بالعنبر وأن الحاجّة أم مجدى صديقنا متخصصة فى هذا الطبق منذ أجيال وقد ورثت الصنعة عن والدتها التى كانت سليلة العنبرى باشا. تدخّل أحد الأصدقاء وقال لصاحبنا: لا تصدقه، فهذا الذى أكلناه هو طبق أرز بالزعفران وقد اكتسبت هذه العائلة صناعته من انتسابها للزعفرانى باشا، صاحب قصر الزعفران الشهير. أفهمه كذلك أن الحاجّة أم مجدى تعود إلى أسرة مملوكية عاشت على زمن ظاهر شاه وانتقلت من بلاد فارس مع تجار العبيد حيث استقرت بمصر أيام كان الزعيم بلطاى يصول ويجول فى البلاد. تدخل صديق ثالث وعقب قائلًا: أنتما الاثنان مخطئان والطبق هذا هو أرز بالكارى، موطنه الأصلى الهند، ومن الممكن أن يكون قد خرج من بيت طاغور الشاعر العظيم على شكل بريانى أو على الأقل هو أرز المهاتما الشهير المعروف فى بنجالور!.

سرح الفتى مع الخيال وأحسسنا أنه يستدعى أزمانًا ملكية كانت فيها الموائد عامرة بما لذ وطاب، فلم نتردد فى إضافة التوابل لهذا الخيال فحدثته عن طبق الشركسية بالدجاج الذى تخصصت فيه والدتى وحدثه آخر عن كشك ألمظ المشهورة به عائلته وثالث عن طبق الشاتوبريان الذى أخذوه عن جارتهم الفرنسية. كل هذا والمسكين يصدق كل ما يسمع ولا يدرى أن ما أكله لا يعدو كونه طبق أرز عاديا عليه بعض العدس الأصفر، ولم يخطر بباله أننا فقراء مثله.. صحيح لا نعرف البتّاو والجعضيض اللذين كانا يطاردانه فى أحلامه، لكننا كنا من أكلة الفول والكشرى والبصارة فى أحسن الأحوال.

الغريب أن هذا الصديق قد شق طريقه فى العاصمة وقطع صلته بقريته بعد أن تخرج ثم تزوج ابنة أحد التايكونات، واعتلى أمواجًا أخذته لدنيا الأثرياء وأصحاب المراكز، وصار يتجنبنا ويسعى جاهدًا لتفادى اللقاء بأى أحد من الشلة القديمة، ومع ذلك فإننى أحيانًا ما أظهر له فى بعض اللقاءات التى أدعى إليها ويكون موجودًا بها وأهمس فى أذنه بأننى سأحكى للحاضرين عن ماضيه عندما وقع فى غرام طبق أرز، فيرتبك ويستحلفنى ألا أفعل. العجيب أنه يتبرأ من الفترة الوحيدة فى حياته التى كان فيها بريئًا، نقيًا، شريفًا!.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الصديق الذى يُنكرنا الصديق الذى يُنكرنا



GMT 02:57 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

بديل السياسة الغائبة

GMT 02:56 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

مبارك بين عادل إمام ومحمود عبدالعزيز!!

GMT 02:54 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

عصر ما بعد الموتوسيكلات

GMT 02:52 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

الوساطة مازالت ممكنة لكن بشروط

GMT 02:50 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

زيارة قصيرة للساحل!

GMT 02:48 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

إلى أين نذهب؟

GMT 02:47 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

أفتقد هؤلاء

GMT 02:45 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

صراع فى الفضاء!

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 09:53 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

توقف مرور ناقلات النفط عبر مضيق هرمز

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 16:18 2023 الإثنين ,18 أيلول / سبتمبر

العراق فاتحاً ذراعيه لأخوته وأشقائه

GMT 07:12 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

هل للطفل مطلق الحرية ؟

GMT 10:17 2024 الإثنين ,30 كانون الأول / ديسمبر

أسماء الأسد ممنوعة من دخول بريطانيا

GMT 08:33 2016 السبت ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

هشام عز العرب يرحب بإلغاء العمولات على تحويلات المصريين

GMT 20:47 2020 الإثنين ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

مؤشرا البحرين يقفلان التعاملات على ارتفاع
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt