توقيت القاهرة المحلي 14:26:14 آخر تحديث
  مصر اليوم -

شهادات دكتوراه فى اللاشىء

  مصر اليوم -

شهادات دكتوراه فى اللاشىء

بقلم:أسامة غريب

من المعروف أن الكثير من مفكرينا وأساتذتنا فى النصف الأول من القرن العشرين قد حصلوا على الدكتوراه من جامعات أوروبا. هذا بالرغم من أن الجامعة المصرية كانت موجودة منذ عام 1908، والسبب أن جامعتنا الوليدة كانت لا تزال نبتة تحتاج إلى تغذية، وعليه فقد كانت تعرف حدودها وتفهم أنها فى حاجة إلى إرسال البعثات للغرب حيث المكتبات الضخمة والمختبرات المتقدمة والأساتذة المتخصصين فى مختلف المجالات.

وليت هذا الأمر استمر حتى لا نصل إلى ما نحن فيه الآن حيث جامعات خارج التصنيف كانت فى الأصل مدارس إعدادية وثانوية استولوا على مبانيها وحولوها بقرارات إدارية إلى جامعات تقوم بكل جسارة بمنح شهادات الدكتوراه لطلبة بعضهم لا يحسن القراءة والكتابة يشرف عليهم أساتذة تشغلهم الاحتفالية التى يقيمها الطالب ووليمة الغداء من عند الحاتى التى باع الباحث البائس مصاغ أمه أو جاموسة أبيه لإقامتها.


من المعلوم من العلم بالضرورة أن شهادات الدكتوراه لا تُمنح إلا لباحث قدم إسهاما علميا جديدا لم يسبقه إليه أحد، بمعنى أن يأتى بعلاج جديد فى الطب مثلا أو يطرح نظرية فى الفيزياء أو الكيمياء أو يقدم فكرة تكنولوجية تساعد على تطوير أدوات الإنتاج أو يخرج على الناس ببحث فلسفى يضرب المسلمات ويحرك الماء الراكد ويجعل العالم يعيد التفكير فى بعض رؤاه الثابتة. هذا هو الأصل فى أبحاث الدكتوراه، وهو أمر يجعل بلادنا العربية وهى تتظاهر بالحداثة تفعل ما عبّر عنه الشاعر نزار قبانى حين قال: لبسنا قشرة الحضارة والروح جاهلية!


وإذا ما تركنا العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية ونظرنا إلى الدكتوراهات التى يتم منحها فى العلوم الدينية لوجدنا أنفسنا بإزاء حالة غريبة تتنافى مع أوليات مبادئ البحث العلمى وهو الشك! هل يُسمح للباحث بالشك فيما بين يديه من آيات وأسفار ومزامير وإصحاحات ومرويات؟ والسؤال الأهم أليس الدين، أى دين، بحسبان أصحابه، مكتملا؟ أو ليس صالحا بحالته الأولى لكل زمان ومكان؟ أليس النص ثابتًا والحقيقة مطلقة والأسئلة كلها مُجاب عنها؟ ما الذى يضيفه الباحث طالب الدكتوراه.. هل يكتشف نصوصا جديدة تكمل الموجود وتضيف إليه أم أنه يعيد ترتيب وصياغة ما بين أيدينا ويقدمه إلى اللجنة الممتحنة فى قوارير جديدة فتمنحه لقب دكتور؟! إن الحقيقة التى يتجنب المجتمع الإشارة إليها أن البحث الدينى الذى يتقدم صاحبه لنيل الدكتوراه لا يتضمن إنتاج معرفة جديدة لكن يقوم بإعادة تدوير النصوص الموجودة.. وأنا هنا لا أتحدث عن حالة وعظية أو خطابية يقوم فيها أحدهم بتقديم ما يساعد الناس على ترسيخ إيمانهم وتدعيم مثلهم العليا وإحاطة علاقتهم بالنصوص المقدسة بسياج حمائى وجدران قوية.. ليس عن هذا أتحدث وإنما الكلام هنا عن بحث علمى يدور فى إطار نخبة النخبة، حيث لا يمكن اختبار الموضوعات بغير طرحها على مناهج البحث وأولها الشك، فهل يمكن فعل هذا بالنسبة لبحث دينى أم أن أقصى ما يمكن عمله هو شرح ما تم شرحه بواسطة القدماء من زمان، والتعليق على ما شبع تعليقا طوال القرون المنصرمة ضمن حدود ضيقة لا يمكن تخطيها، لأن أى خروج عن الأطر هنا يعتبر انحرافا أو كفرا وليس إبداعا! وهنا تتضح المفارقة التى نقصدها، ففى العلوم الطبيعية، الشك فضيلة والنقد لا غنى عنه من أجل دفع الحياة للأمام، أما فى العلوم الدينية، فالشك خطر، والنقد جريمة..

فكيف يتم منح أعلى لقب أكاديمى فى بيئة علمية يغيب عنها أوليات أدوات البحث وهى كسر المسلمات؟ العلوم قابلة للتطور وهذا يتم عن طريق الأبحاث التى تضرب بالمعاول وتهدم غير النافع وتقدم بدائل له، لكن هل الأديان قابلة للتطور؟ أعتقد أن الإجابة التى سنحصل عليها ستكون بالنفى باعتبار الأديان مكتملة، وهذا فى الحقيقة لا معنى له سوى أن كل هذه الدراسات العليا تدور فى حلقة مفرغة ولا تقوم إلا بإعادة صياغة ما هو موجود أصلا. وأعيد وأكرر أن عملية إعادة صياغة ما هو موجود وإعادة تدويره ليست مشكلة على الإطلاق إذا كنا نتحدث عن خطبة الجمعة أو موعظة الأحد، فهى فى هذا السياق نافعة ومفهومة ولا يوجد عاقل يرفضها أو يعترض عليها، إنما نتحدث عن الرسائل العلمية التى يجب أن يسودها التحرر لا الانغلاق، والرغبة فى الخروج على المألوف وليس توفير الحماية. المشكلة أيضًا ليست فى دراسة الدين وتدريسه، فهذا مفهوم، لكن فى ادعاء أن الدراسات الدينية تماثل بقية العلوم فى إنتاج المعرفة لأن الفرق كبير، فهناك علوم تبنى المستقبل وعلوم تحرس الماضى، ولا بأس من حراسة الماضى المرتبط بما يطمئن الإنسان ويمنحه السكينة، لكن لا يجوز منح شهادات الدكتوراه مكافأة لمن يحرس الماضى، فالشهادة يجب أن تكون تقديرا للبحث القيم لا تقديرا للموروث!


وإذا أضفنا إلى ما سبق أن هذه الأبحاث التى تمنح الدكتوراه تتم فى جامعات كثير منها لا يحمل من سمات الجامعة إلا اسمها بعد أن ذهبت الأجيال التى كان يمكن أن تكون المناقشات والأبحاث فى ظل وجودها قيّمة وعميقة، وقد كان يمكن فى وجود الرواد الثقات المثقفين أن ننسى ضرورة أن يجترح طالب الدكتوراه فى العلوم الإنسانية أفكارا جديدة ونكتفى منه بالتعمق والغوص وتقديم قراءات جادة فى الفلسفة والتاريخ واللغة والدين..غير أن هذا الحد الأدنى تلاشى وصرنا عراة من المنهج والحكمة والتقاليد فأصبحنا فى كثير من الأحيان نقوم بتدوير اللاشىء ونحصل فى مقابل هذا على الدكتوراه! 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

شهادات دكتوراه فى اللاشىء شهادات دكتوراه فى اللاشىء



GMT 10:23 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

عملاق يكتب عن عملاق... إنه عظيم ومبجل

GMT 09:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

إيران تنقل المعركةَ إلى الكويت واليمن

GMT 09:20 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

الحوثي... حكايات إمامية

GMT 08:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

العراق: الوطنيّة في مسارها الصعب والطويل

GMT 08:17 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

جولة حرب أخرى؟!

GMT 08:15 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

حرب ومواقف ذات دلالات

GMT 08:14 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

أندي بيرنهام... ثائر بريطاني؟!

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - عون يؤكد أن نزع سلاح حزب الله ممكن حال توفر 3 شروط

GMT 08:19 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

ترمب يفرض رسوماً جمركية على واردات كندية

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 08:01 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 22:00 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وصفات طبيعية لتنظيف الأثاث المعدني

GMT 15:45 2025 الثلاثاء ,17 حزيران / يونيو

أهم صيحات الموضة الخاصة بفساتين السهرة

GMT 22:47 2024 الإثنين ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

مجوهرات بتصاميم فريدة تجمع بين الجرأة والرقة

GMT 14:26 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 22:42 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

روبوتات نانوية لتوصيل الدواء داخل جسم الإنسان

GMT 18:47 2021 الثلاثاء ,23 شباط / فبراير

عادات خاطئة تفعلها عند شرب الماء تؤدي إلى الموت

GMT 17:17 2019 الأحد ,22 كانون الأول / ديسمبر

حريق في مبنى الخارجية المصرية

GMT 01:20 2019 الإثنين ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

الفنان تامر حسني يحتفل بـ أحمد عصام بهذه الطريقة

GMT 07:33 2024 الجمعة ,16 شباط / فبراير

مفاجأة بشأن الشرط الجزائي في عقد هالاند
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt