بقلم: أسامة غريب
على كثرة ما يتم تسريبه من وثائق إبستين، وأيضًا ما تم كشفه عبر موقع ويكيليكس فإن شيئًا مفاجئًا أو مدهشًا لم نصادفه حتى الآن. ما الجديد فى الكشف عن أن ترامب منحرف وأن إسرائيل تسيطر عليه وتبتزه؟ وما الجديد فى أن حكام الغرب الديمقراطى الذين يدللون القطط والكلاب لا يأبهون لأرواح البشر طالموا كانوا من بلدان وأجناس أخرى؟. وما الجديد فى معرفة أنّ هيلارى كلينتون وتونى بلير يعيشان على المال العربى؟.
إن الوثيقة المفاجئة بحق هى التى تكشف أن أحدا قد سلك سلوكاً وطنيًا رفيعًا فى أحد المواقف فتمسك بحقوق شعبه أو تعفف عن مد يده إلى المال العام.. هذه هى نوعية الوثائق التى يصبح كشفها قنبلة الموسم، أما الأخبار الأخرى المتعلقة بالهوان والاستخذاء وبيع الأشقاء والغدر بهم فإنها لا تمنح صاحبها ما يتوقعه من إعجاب!.
لكن على أى الأحوال فإن من فضائل هذه التسريبات هو توثيق المعلومات التى كنا نسمعها بشكل متناثر وكانت تجد من ينفيها بجسارة رغم وضوحها.
الآن بتنا نعرف حقيقة من صنعوا تنظيم داعش الذى حاربته دول العالم كلها.. تكشفت الأمور وعرفنا أن أشد الدول تظاهراً بمعاداة تنظيم الدولة الإسلامية هى التى مولته وسلحته وقامت بتدريبه!. كنا فى الماضى نضطر إلى الانتظار ثلاثين سنة أو أكثر حتى تكشف الدول الغربية عن الوثائق المخفية.. الآن تم اختصار المدة وتكفلت التسريبات بإذاعة الوثائق الخاصة بأحداث الأمس القريب بوثائقها وهى ما زالت بنار الفرن!. أما عن اللهفة والفرحة التى يستقبل بها القراء حول العالم هذه الأخبار فإنها تستدعى وقفة للتأمل، ذلك أن حق الدول والحكومات فى صيانة أسرارها هو حق أصيل يتعين احترامه لأسباب يطول شرحها، وأن اقتحام هذه الأسرار يشكل مخالفة قانونية وأخلاقية لأنه يلحق الضرر بالدولة المفضوحة ويعرض مصالحها للخطر. لكن فى اعتقادى أن ما يبرر هذه الفرحة وتلك الشماتة التى يتلقى بها القارئ فى الغرب الديمقراطى التسريبات والفضائح هو أن الجمهور هناك بات يشعر بأنه يتعرض للخديعة على يد حكامه وأصبح يعتقد أنهم يستغلون قوانين سرية المعلومات من أجل التعتيم على ممارسات غير نظيفة واللعب فى الظلام من خلف ظهر الشعوب. أما عن الدول التى يحكمها الطغاة فإن شعوبها تتلقف نفس الوثائق بفرحة طاغية لسبب آخر وهو شعورها بأن هؤلاء الحكام الذين أوغلوا فى جرائمهم يتعرضون الآن للفضح بكشف أفعالهم وتعرية مواقفهم التى طالما أنكروها، ومن ثم يتعرضون للحرج البالغ، وهو الأمر الذى يسعد هذه الجماهير بالتأكيد.
لكن لعل مما يبدد هذه الفرحة ردود الفعل الباردة والبليدة التى يواجه بها المفضوحون ما يتسرب عنهم من مخاز، بل إننى لا أبالغ إذا قلت إنهم قد يستخدمون كل ما يستوجب إدانتهم أمام شعوبهم فى الكيد لهذه الشعوب وملء قلوب الناس بالحسرة بعد أن يقولوا لهم: نعم.. نحن بكل هذه الخسة.. فماذا أنتم فاعلون؟.
معظم الناس فى بلادنا يعتقدون أن الكذب لا بأس به ما دمت لم تقسم بالله. وبعضهم يعتقد أنه حتى القسم الكاذب يكفيه صيام ثلاثة أيام!.