بقلم: أسامة غريب
ربما لا تعرف الأجيال الجديدة شكل مدينة بورسعيد عندما تحولت إلى ما أسموه المدينة الحرة التى قامت بممارسة حريتها فقط فى تجارة السلع المستوردة التى كان الناس متعطشون لها. ولا أخفى أن لفظ مدينة حرة هذا كان يضايقنى كلما استمعت إليه أو قرأته، ذلك أننى كنت أرى بورسعيد قد انتزعت حريتها بعد أن تصدت للعدوان الثلاثى وحارب أبناؤها ببسالة ضد الغزاة عام ١٩٥٦.. هذه هى الحرية التى كنت أفهمها وليس تجارة القماش!.
كان من المناظر المألوفة فى ذلك الوقت أن تجد فى موقف سيارات أحمد حلمى حيث الحافلات وسيارات الأجرة التى تحمل المسافرين إلى بورسعيد أناسًا يفترض أنهم محترمون وقد نزل كل منهم من بيته مرتدياً بيجامة مهلهلة وشبشبًا ممزقًا، أو قميصاً وبنطلون لا يقبل زبال ارتداءهما، ثم يسافرون إلى المدينة الحرة ويعودون وقد ارتدى كل منهم طبقات من القمصان فوقها حُلة إيطالية راقية من ماركة فاخرة ومعطفاً باذخاً مع حذاء آخر موضة، وذلك بعد أن خلع كل منهم الأسمال التى كان يرتديها وألقى بها فى إحدى الخرابات بعد أن قام بتغيير ملابسه فيها!. كان البعض يحضر الملابس لنفسه وبعضهم يبيعها ويكسب، والنوعان كانا يلجآن لهذا السلوك من أجل الهروب من الجمارك، إذ كيف يمكن لموظف الجمرك أن يحاسب شخصاً على ملابس يرتديها؟. ربما كان الشعور بالنصر عند الإفلات من دفع الجمرك عائد لعدم اقتناع الناس بفلسفة الجمرك ابتداء، وهو الذى شُرع بالأساس لحماية الصناعة الوطنية، والأصل أنه إجراء مؤقت لا يمتد إلى ما لا نهاية!
رأيت أيضاً فى ذلك الوقت تجارة الشنطة التى نشطت من بيروت ولندن وغيرها من العواصم، وكان أبطالها من العاملين بشركات الطيران الذين يحصلون على تذاكر مجانية بحكم الوظيفة. كان تجار شارع الشواربى يتعاقدون مع الموظف أو العامل من هؤلاء على دفع ليلتين بالفندق ثم تحميله بحقائب الملابس التى كان عليه أن يعبر بها من الجمرك بطريقته حتى ينال المكافأة من التاجر بعد توصيل البضاعة إليه. ولا أنسى أبداً منظر الحاج سيد وكان يعمل ساعيًا بالمطار وهو عائد من بيروت مرتديًا ثلاثة أطقم فوق بعض، بالإضافة إلى معطف من الصوف الإنجليزى وذلك فى شهر أغسطس حيث الجو قائظ ودرجة الحرارة نار.. لقد سقط الرجل مغشياً عليه بعد أن خنقته البضاعة التى سعى إلى إخراجها دون دفع الرسوم الجمركية. إلى هذا الحد كانت رغبة الناس جارفة إلى الملابس والأشياء المستوردة، وكان شوقهم عارمًا إلى ما تصوروه الحياة الجميلة المليئة بالسلع طبقًا للانفتاح الاقتصادى لصاحبه أنور السادات.
الغريب أن المواطن الذى ذهب إلى بورسعيد وشقيقه العائد من بيروت لم يكونا يشعران بالإهانة التى لحقت بهما من جراء الخروج من البيت بملابس ممزقة ثم العودة بطبقات من الهدوم الشيك، وكانا يريان ما فعلاه نوعًا من الشطارة. ترى أهى نعمة أن يُهان الإنسان فلا يشعر بالإهانة أم أنها اللعنة بعينها؟.