توقيت القاهرة المحلي 17:47:48 آخر تحديث
  مصر اليوم -

حلم رجل واحد

  مصر اليوم -

حلم رجل واحد

بقلم:أسامة غريب

لم يكن بول بوت يتصور أن التاريخ سيذكره بحسبانه السفاح قاطف الرؤوس، بل كان يظن نفسه مصلحًا اجتماعيًا يختلف عن غيره من المصلحين بأنه نجح فى حيازة السلاح وتجنيد الأنصار فى بلده كمبوديا بعد أن حشا رؤوسهم بأفكار نبيلة عن العدل الاجتماعى وعن ظلم الطبقة الحاكمة وفساد النخبة الثقافية. قام الرجل بتأسيس منظمة الخمير الحمر، وكلمة خمير تعنى فلاحًا باللغة الكمبودية، وللفلاحة مدلول إيجابى فى الثقافة الشعبية هناك، حيث إن الفلاح هو الذى يطعم الناس. إذن يتوجب طبقًا لفيلسوف الخمير الحمر على جميع الناس أن يعملوا بالفلاحة حتى يحظوا جميعًا بشرف الاشتغال بالمهنة النبيلة التى إليها يعود الفضل فى إعمار الأرض واستمرار البشرية.

رأى بول بوت أن المثقفين يشكلون جماعة فاسدة تؤثر فى الناس الطيبين وتخرب عقولهم لصالح أفكار تقبل الظلم الاجتماعى وتراه قدرًا لا فكاك منه، فكان أن حملهم قسرًا إلى المزارع الجماعية، وأوكل إليهم القيام بأعمال الفلاحة الشاقة، ثم قام بتفريغ المدن من السكان، حيث رأى أن نشاط المدن غير ذى جدوى ولا يستفيد منه سوى اللصوص والمنحرفين. باختصار قام الرجل بعملية هندسة اجتماعية أراد منها أن يحشد كل الطاقات لصالح العمل الوحيد المحترم الجدير بالإنسان وهو زراعة الأرض، ولأجل أن يحقق العدل فإنه ألغى الملكية الخاصة وجعل الأرض مملوكة للجميع. من الطبيعى أن إجراء كهذا لن يمر بسهولة، خاصة أنه يعبر عن فكر رجل واحد أو مجموعة أصدقاء تشبعوا بالأفكار الشيوعية وأرادوا أن يطبقوا منها نموذجًا ابتدعوه وتأثروا فيه بتجارب آسيوية محيطة فى الصين وفيتنام وكوريا الشمالية.

ومن الطبيعى أن رجلًا كهذا عندما يقاوم الناس أفكاره التى يريد فيها الخير للجميع فإنه لن يتسامح مع رغبتهم فى تقويض حلمه، ومن هنا كانت المذابح الجماعية وحقول القتل التى ملأتها الجماجم، والتى عبرت عنها أفلام سينمائية عديدة، كما خلدتها متاحف قائمة اليوم تحكى عن حلم رجل واحد دفع حوالى مليونين من البشر ثمنًا لمحاولة تحقيقه. والعجيب فى بول بوت ورفاقه أنهم نظروا للمثقفين نظرة ازدراء واعتبروا ما يقومون به نوعًا من النصب وأكل العيش بطرق غير مشروعة!.

كذلك لم يفهم زعيم الخمير الحُمر معنى تقديم برامج فى التليفزيون تقوم على نشر الأكاذيب التى يريدها الحاكم، ولا معنى الكتابة فى الصحف من أجل تمجيد الظلم وتغليفه بأغلفة وطنية زائفة، لهذا فإن الإعلاميين والكتّاب وكل من له صلة بصناعة النشر قد حملتهم سيارات كبيرة مخصصة للمواشى وألقت بهم فى المزارع ومعهم الفؤوس والمعاول، ومَن تكاسل منهم كان جزاؤه القتل الفورى. ويُحكى أيضًا أن الكثيرين فى المدن لقوا حتفهم لمجرد ارتدائهم نظارة أوحت بأنهم قد يكونوا مثقفين!.

ورغم إجرام بول بوت ووحشيته، فإننى كلما شاهدت برنامجًا من برامج المصاطب المسائية تذكرته وطاف بخيالى صورة سيارات النقل التى حملت الإعلاميين بعيدًا عن الشاشات والصحف وألقت بهم فى الحقول ليقوموا بعمل مفيد!.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حلم رجل واحد حلم رجل واحد



GMT 10:50 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

تحولات

GMT 10:49 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

موضعٌ وموضوعٌ: باب الدموع ومنادب البردوني

GMT 10:48 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

كم تبلغ قوة القانون الدولي؟

GMT 10:47 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

لماذا ينجذب الشباب للدعاة أكثر من المفكرين؟

GMT 10:46 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

إيران: 6 سيناريوهات لحرب أخرى؟

GMT 10:45 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

العراق... نظام 2003 وأزمة النخب السياسية

GMT 10:44 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

طعام أهل الجنة

GMT 10:43 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

قضايا شعلتها لا تنطفئ

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:45 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحوت الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:29 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج السرطان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:24 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحمل الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 17:04 2025 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

أفضل القائمة للحصول على إطلالة مميزة وأنيقة

GMT 07:09 2024 الأربعاء ,06 آذار/ مارس

كتاب جديد عن بايدن يعترف فيه بأنه يشعر بالتعب

GMT 11:28 2020 الثلاثاء ,08 كانون الأول / ديسمبر

قمة نارية بين برشلونة ويوفنتوس بـ دوري أبطال أوروبا

GMT 01:25 2025 الثلاثاء ,08 تموز / يوليو

ماسك يعلن دخول سيارة تسلا للعمل بلا سائق

GMT 10:13 2020 الخميس ,09 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن

GMT 18:23 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

جائزتان لفيلم "أميرة "في مهرجان فينيسيا الـ٧٨
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt