بقلم: أسامة غريب
التطورات المتسارعة التى تحدث فى اليمن هذه الأيام شكلت مفاجأة كبرى، فبينما كنا نقرأ من خلال وسائل الإعلام العالمية والعربية عن حشود ضخمة تتهيأ للوصول إلى صنعاء وإنهاء حكم الحوثيين هناك، إذا بالأخبار تتوالى عن سقوط مدوٍ للقوات المسماة «الحكومية»، وانهيار الجبهات فى الساحل الغربى لليمن، وهو الأمر الذى أسفر عن سيطرة الحوثيين على مواقع استراتيجية بينها مديريتا حيْس وخوخة بمحافظة الحديدة ثم السيطرة على ميناء المخا الاستراتيجى بمحافظة تعز، وكذلك السيطرة على جزيرة زقر وجزيرتى حنيش الصغرى والكبرى.
الجدير بالذكر أنه بعد هذا التقدم المفاجئ، فإن الحوثيين يقتربون الآن من السيطرة الكاملة على الساحل المحاذى لمضيق باب المندب، ما يمنحهم القدرة على التحكم فى مركز رئيسى اعتمدت عليه القوات المناوئة لهم كثيرًا، وأن أى تقدم إضافى للحوثيين على هذا المحور قد يؤدى إلى قطع خطوط الإمداد الرئيسية لتلك القوات فى الجنوب.
كان الأسبوع الماضى عبثيًّا فيما يتعلق بهذا الصراع.. فبينما كان الإعلام يدير معركة كبرى تهدف لتهيئة الرأى العام العربى للنصر المظفر لقوات طارق صالح وقوات رشاد العليمى على الحوثيين تزامنًا مع غارات مكثفة على صنعاء وصعدة، كان الحوثيون صامتين ولم نسمع لهم تعليقات تخص المرجل الذى يغلى فى صمت.. من الواضح الآن أن هذا الصمت كان متعمداً لعدم لفت الانتباه كثيراً إلى ما يجرى على الأرض فى الساحل الغربى عند المدن والجزر والمواقع الواقعة على البحر الأحمر. لقد أدار الحوثيون الجبهة بمهارة، ومن الواضح أنهم كانوا يملكون قدرات استطلاعية كبيرة مكنتهم من قراءة المشهد العسكرى وخرائطه بدقة كبيرة، فى حين أن خصومهم أداروا معركة إعلامية وبرعوا فى استضافة محللين وخبراء استراتيجيين أخذوا ينفخون فى النار ويعدون الجماهير للاحتفالات فى صنعاء بينما قواتهم تتعرض للهزيمة وألوية بكاملها تستسلم تاركة خلفها معدات وذخائر بأعداد وأحجام كبيرة.. ولعل المنصات الإعلامية والفضائيات تتعظ وتتعلم كيف تكون التغطية الإعلامية والتعليق على الحدث وقراءة المشهد العسكرى، إذ يبدو أنهم أحضروا محلليهم من على القهوة وأنقذوهم من البطالة، وهؤلاء بدورهم لم يقصروا، فبعد أن قبضوا المال قاموا بإسماع الممول ما يود أن يسمعه بدلاً من أن يعرضوا الصورة الحقيقية!.
فى الحقيقة أن الحوثيين إذا استطاعوا تثبيت السيطرة على المدن والجزر والموانئ القريبة من باب المندب، فإن السيطرة ستدين لهم تمامًا على هذا الممر الملاحى. صحيح أنهم كانوا قبل ذلك قادرين على تعطيل الملاحة واستهداف سفن الدول المعادية لهم باستخدام الصواريخ بعيدة المدى، لكن الوضع الآن يجعل السيطرة على البحر الأحمر وما يعبره من سفن وناقلات أيسر كثيراً بعد إقامة قواعد عسكرية قرب الشاطئ.
من الواضح أن هذا الموقف الجديد يشكل إزعاجًا كبيرًا للإسرائيليين ولميناء إيلات ويمثل لطمة للأمريكان فى حربهم ضد إيران؛ إذ يتحتم عليهم تشتيت الجهود ما بين مضيقى هرمز وباب المندب إذا أرادوا ألا يفلت الأمر وتتثبت قواعد جديدة للمرور فى المضائق.