بقلم: أسامة غريب
الدراجة التى تطير ليست اختراعًا جديدًا، فقد توصل إليها الصينيون وصنعوا منها نماذج عرضوها فى مناسبات عديدة، أما الطالب بمدرسة نجع الكشايشة الذى اخترع دراجة تطير فهو خبر كاذب ولا يصح أن يشغلنا به أحد على سبيل الإلهاء. لقد سئمنا وأصابنا الملل حد القرف من الحكايات الرديئة عن مخترعات وهمية تخرج علينا بها المواقع الإخبارية لملء الفراغ وتسويد الورق. اكتفى شعبنا من حكاية التوكتوك الطائر الذى اخترعه سواق توكتوك من أجل تخفيف الزحام فى الشارع المصرى، كما اكتفى من حواديت عن اختراعات متميزة تحل جانباً من مشكلات البشرية فى غمضة عين تولاها تلامذة فى مدارس أغلبها فى الأرياف وطبيعى أنها تخلو من المقاعد والدكك ورغم ذلك فقد برز منها علماء صغار!. من ذلك رأينا وسمعنا وقرأنا عن طالب ثانوى اخترع جهازاً لفض المظاهرات بدون إراقة دماء، وطالب إعدادى اخترع جهازاً لتوليد الكهرباء من العسل الأسود وثالث فى ابتدائى اخترع سيارة تسير بالماء، ورابع قام باختراع باتنين جنيه ونُص عيش فينو!
كل هذه نماذج لأخبار نشرت ما يشبهها وسائل إعلام محترمة لم تكتفِ بالنشر، لكن استفاضت فى شرح أهمية الاختراع والآمال التى يعلقها الوطن على نتائجه!. لكن بعد ذلك لا حس ولا خبر ولا متابعة ولا إثبات ولا حديث عن جهات تبنت الاختراع، ولا أجهزة تعاقدت مع المخترع، ولا رجل أعمال تكفل برعاية الاختراع وصاحبه، ولا هيئة بحث علمى حفلت بالدخول على الخط ومناقشة العلماء الصغار.
الذى يثير الحنق فى هذه الأمور هو عدم اقتناع من يبثون هذه الهجايص أن الشعب لم يعد يتلهى بهذه الأشياء. فى البداية كان يمكن التعامل مع الجمهور بحسبانه قطيعاً يمكن إدخال السعادة الزائفة إلى قلبه من خلال الأوهام، لكن التكرار أفقد الأمر طزاجته وجعله مثار سخرية.
يا سادة.. إن المخترعات العلمية فى الوقت الحالى لم تعد عبارة عن إلهام أو وحى يتلقاه الشخص المتأمل وهوجالس تحت شجرة أو بينما يستحم فى البانيو..هذه مرحلة تجاوزتها البشرية من زمان. الاختراعات الآن عملية بالغة الصعوبة والتركيب يلزم لها التفرغ التام وتحصيل معرفة علمية ضخمة ومتراكمة فى بيئة صحية تشجع على العلم وترعى المواهب.
وإذا نحينا جانبًا أخبار المخترعات الزائفة نجد أن أخبار الجنازات التى يكون المشاهير طرفًا فيها تحظى بتغطية كبيرة يشوبها الجليطة والسخافة وقلة الذوق واقتحام خصوصية المكلومين، فإذا انقضت الجنازة وانفض العزاء لا يعدم الإعلام خبراً عن المرأة التى صورت جارتها فى البلكونة والرجل الذى صور جاره وهو يركل قطة فى الشارع أو الولد الذى ذهب لمحل الكشرى فلم يلق هناك التقدير الواجب، أو عن بائع الفريسكا الذى حقق المعجزة ونجح فى أولى ثانوى، أو عن الكمسارى الذى طلب من لابس الشورت أن ينزل من القطار أو عن بائع الفول الذى رفض أن يضع كبشة زيادة للزبون!
إذا كان هذا الهراء هو الإعلام وهو النص، فكيف يكون إذًا الخروج على النص؟.