بقلم: أسامة غريب
فى مسألة التفاعل بين الصحيفة والقراء، وكذلك فى مسألة التواصل بين البرنامج والمشاهدين أو المستمعين أشعر دائماً بوجود شىء غلط، شىء لا أدرى كنهه لكنى أستشعره..
هذه المكالمة التليفونية التى تجشّم المستمع عناء إجرائها فى السادسة صباحاً ليقول للمذيعة إنه يحبها ويحب برنامجها ثم يطرح عليها سؤالًا عبيطاً ويتركها تصول وتجول فى إجابتها ونصيحتها للمستمع.. هل يوجد شخص طبيعى يصحو من النجمة ليفعل هذا؟. وهذا نفسه يساوى أن نفتح الراديو أو التليفزيون أو الصحيفة فى شهر رمضان لنجد السائل يستفسر عن حكم أن يشرب الصائم عرقسوس أو سوبيا أثناء النهار، ثم يفسح المجال لمولانا الشيخ ليحدثنا عن أقوال الفقهاء فى هذه القضية المعضلة.
أحد أصدقائى من مشاهير الإذاعة أسر إلىّ باعتقاده أن كل الذين كانوا يتصلون به فى برنامجه الصباحى كانوا من المختلين عقليًا والمعتلين نفسًا لأنه لا يوجد شخص محترم يظل يدير التليفون حتى تلقط النمرة ويتمكن من الإدلاء بملحوظته الفارغة!. ثم تأتى بعد ذلك موضة إفراد مساحة للقراء لأجل التعليق على المقالات والتواصل مع الكاتب أسفل المقال على الموقع الإلكترونى للصحيفة.
ما لا أرتاح له فى صور التواصل السابقة هو إحساسى بأن المستمع أو المشاهد المثقف أو المستنير فى الغالب لا يتحمس لرفع سماعة التليفون والمشاركة فى برنامج هو نفسه لا يرى له أهمية، وحتى لو كان يحسن الظن بالبرنامج فإنه سيكتفى بالمشاهدة أو الاستماع دون المشاركة، وهذا غير مستغرب فالشخص المتزن يميل بطبعه للاستماع والمطالعة أكثر من الكلام..المشاهد أو المستمع الغلبان وحده هو الذى يتحمس للمشاركة، أما بالنسبة للمشاهير والأسماء المعروفة فإن البرامج هى التى تتصل بهم وتطلب مداخلاتهم. كذلك الأمر بالنسبة للمقالات على المواقع الإلكترونية للصحف، فإنه لا يتحمس للتعليق عليها فى الغالب إلا القارئ البائس الذى راح ضحية مشاهدته للبرامج التليفزيونية والاستماع للبرامج الإذاعية، وفى ظنى أن نفس الشخص الذى يتصل بالقناة التليفزيونية والمحطة الإذاعية هو الذى يدخل موقع الصحيفة ليدلى برأيه فى المقال.
طبعاً ما سبق ليس قاعدة لأنه فى بعض الأحيان تحمل المداخلات والتعليقات آراء قيمة وتعليقات رصينة، لكن القاعدة هى أنّ تواضع المضمون هو الأساس فى موضوع التواصل والتفاعل. ولقد صرت مقتنعًا أن البرنامج والصحيفة لا يحتاجان إلى المتفاعل الذكى أو المثقف والرصين قدر احتياجهما إلى جمهور كبير تغلب عليه الغوغائية، لأن هذا الجمهور هو الذى ينفق على البرنامج ويُبقى الصحيفة على قيد الحياة، فالإعلانات لا يتلقاها البرنامج الموسيقى الذى يذيع السيمفونيات، لكنها تأتى لإذاعات الغنج والدلال، كما أن نفس الإعلانات لا تذهب أيضاً لمطبوعات الفكر والثقافة وإنما للصحف الغارقة فى الصفار!.
الخلاصة فى رأيى أنّ من حق الغوغاء أن تكون لهم منابر تستوعب ما يلوكونه دون أن يزعجهم صاحب رأى أو معرفة، وأننى لا يجب أن أغضب أو أنتظر تواصلاً قيماً من قناة تليفزيونية يديرها أبو جهل، أو صحيفة تستكتب عشرة مفلسين مقابل كل كاتب حقيقى!.