توقيت القاهرة المحلي 08:56:32 آخر تحديث
  مصر اليوم -

مكالمة بطعم جهنم

  مصر اليوم -

مكالمة بطعم جهنم

بقلم:أسامة غريب

فى إحدى بلدان الخليج كنت أقف بجوار الرصيف فى انتظار تاكسى، عندما طرق سمعى صوت مصرى يتحدث صاحبه فى التليفون المحمول بانفعال. كان الصوت عاليًا بدرجة ملحوظة ووضح انهماك صاحبه فى المكالمة لدرجة عزلته عما حوله وجعلته لا يلاحظ أنه اقترب منى، وأصبح يقف إلى جانبى مستندًا إلى إحدى السيارات. رأيت وجهه يحتقن بشدة وهو يقول: «يا بنت الناس كلمينى كويس.. عندما أسألك مالك»، أعطنى إجابة صادقة فى الحال، لا أريد ملاوعة، لا لا تقولى أنك بخير، صوتك لا يدل على أنك بخير.. هل تظنينى لا أعرفك؟ هناك شىء لا تريدين إخبارى به.. قولى لى ما هو حتى لا أجن.


نسيتُ أمر التاكسى الذى أنتظره وأصغيت السمع للمكالمة التى ظهر لى أن صاحبها الشاب يتحدث إلى امرأته فى مصر، وشعرت بتعاطف عجيب مع المتحدث الذى طلب زوجته أو خطيبته ليسألها عن الأحوال فإذا بها تجيبه بلهجة لا تدعو للطمأنينة، ثم لا تريحه وتشرح له ما يكدرها. لقد رأيت فى هذا البلد الكثير من المصريين الذين أتوا سعيًا إلى الرزق بعد أن أغلقت أبوابه فى الوطن، وعرفت مشاكلهم واقتربت من أحزانهم، لكن هذه المكالمة التى هبطت إلى جوارى على الرصيف كانت مدعاة لشعورى بالأسى على هذا الفتى الذى يكاد يسقط صريعًا من فرط الانفعال والاحتقان نتيجة عجزه عن معرفة الحقيقة. هل يا ترى كان تعاطفى معه بسبب أننى مصرى مثله ومغترب مثله؟ لا أدرى، مع أنى فى الحقيقة لست مغتربًا بالمعنى الدرامى المعروف لأن أسرتى تعيش معى ولا أحتاج إلى مكالمة تليفونية تصلنى بها.
استمع الفتى إلى الصوت على الناحية الأخرى ثم رد متسائلًا: هل تعلمين أنك كلما قلتِ لى لا تشغل بالك ازددت انشغالًا، وكلما قلتِ لى مافيش حاجة، أيقنت أن هناك ألف حاجة.. أنا أسألك ببساطة مال صوتك، وعليك أن تقولى لى الحقيقة. قال هذا قبل أن يتحشرج صوته ويغص وهو يقول دامعًا: هل تعرفين أننى هنا أطفح الدم من أجل سداد أقساط الشقة؟ هل تعرفين أننى أعيش عيشة الكلاب وأسكن فى مكان حقير مع أناس لا أعرفهم، ومع ذلك لا أشكو.. إن كل ما أريده منك أن تردى على المكالمة بشكل طبيعى لا يثير ريبتى ولا يحطم أعصابى.. أما وقد رددتِ وقلتِ أنا كويسة بشكل مراوغ مليء بالتنهدات، فالواجب أن تكملى وتحكى لى ما حدث.. هل عاد الرجل إياه إلى مضايقتك من جديد؟ هل يستغل فرصة غيابى ليتودد إليك ويعرض خدماته؟ قولى لى الحقيقة.. نعم؟.. ماذا تقولين؟ ارفعى صوتك فأنا لا أسمعك.


كانت ملحوظته الأخيرة بشأن «الرجل إياه» شديدة الوقع على نفسى فرثيت لهذا المسكين الذى يجاهد وحيدًا فى ظروف سيئة وفى الوقت نفسه تؤرقه فكرة وجود رجل هناك يتحين الفرصة ليوقع بامرأته مستغلًا وحدتها وضعفها. أخذ الشاب يلف حول السيارة وهو يمسك رأسه بيده تارة وينظر إلى السماء تارة أخرى وهو يجز على أسنانه ويعيد على المرأة الأسئلة علّه يظفر منها بما يريحه ويجعله يعود ساكنًا إلى البيت فينام ليطوى ليلة من ليالى الغربة. لم يلحظ الشاب وجودى إلى جانبه ولا أنّ مكالمته لم تعد خاصة بعد أن لفت صوته العالى انتباه الكثيرين على هذا الرصيف.


تذكرت إحدى قصص يوسف إدريس القصيرة التى تحكى عن سجين تزوره زوجته فى السجن، ومن خلف السلك يسألها عن أحوالها فتجيب: الحمد لله. كل منا يعرف الناس القريبين منه ويدرك أن «الحمد لله» السريعة تختلف عن «الحمد لله» الممطوطة، ويفهم أن الرد مع النظر المباشر فى العينين يختلف عن الرد مع النظر إلى الأفق أو إلى الأرض.. كل هذا يفهمه السجين أكثر من غيره. فى قصة يوسف إدريس تمنى السجين لو كان حرًا طليقًا خارج السجن، إذن لاستطاع أن يصل إلى أقصى الأرض حتى يأتى بالحقيقة ويعرف ما الذى يعترى امرأته وما الذى يجعل صوتها مختلفًا هذه المرة، وردها يعلوه الكدر الذى لم تنجح فى إخفائه، أما وجوده فى السجن فيدفعه إلى الجنون نتيجة العجز وقلة الحيلة. والمسافر المتغرب عن أهله مثله مثل السجين بالضبط فى هذا الأمر، فهو تحجبه عن أحبائه قضبان المسافة واختلاط الحقائق بالأوهام فى ذهنه، وقد ترك فى الوطن أناسًا لا يعرف ما فعل بهم الزمن فى غيابه.


أكثر ما يؤلم السجين والمسافر أن كليهما يعلم أن الجميع سيحرص على إخفاء الأخبار السيئة عنه، إذ يكفيه ما هو فيه.. والحقيقة أن هذا بالضبط ما يقتله. لو أنهم يخبرونه بكل شىء دون أن يحرصوا على مشاعره، إذن لحقنوا أدرينالينه الذى ينساب وأعصابه التى تتآكل ودمه الذى يغلى وضغطه الذى يرتفع بينما هو يستجوبهم ويستنطقهم ساعيًا لاستخراج الحقيقة منهم.


إنّ الإمام المُجاهد الذى قال إن منفاى سياحة وسجنى خلوة لم يجرب أن يجرى مكالمة لا تبل الريق مع من يحب، ولم تدهسه زيارة تأتيه فى السجن ثم تنتهى وقد قلبت كيانه وزرعت الشك والقلق فى عروقه. حقًا.. ما أتعس السجين وما أشقى المسافر المتغرب.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مكالمة بطعم جهنم مكالمة بطعم جهنم



GMT 08:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

العراق: الوطنيّة في مسارها الصعب والطويل

GMT 08:17 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

جولة حرب أخرى؟!

GMT 08:15 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

حرب ومواقف ذات دلالات

GMT 08:14 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

أندي بيرنهام... ثائر بريطاني؟!

GMT 03:53 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

هل نمنع التصوير في بيت الفنانين؟!!

GMT 03:51 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

هاني شنودة وزمن سعاد

GMT 03:50 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

عودة للشواطئ القديمة!

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - عون يؤكد أن نزع سلاح حزب الله ممكن حال توفر 3 شروط

GMT 08:19 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

ترمب يفرض رسوماً جمركية على واردات كندية

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 08:01 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 22:00 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وصفات طبيعية لتنظيف الأثاث المعدني

GMT 15:45 2025 الثلاثاء ,17 حزيران / يونيو

أهم صيحات الموضة الخاصة بفساتين السهرة

GMT 22:47 2024 الإثنين ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

مجوهرات بتصاميم فريدة تجمع بين الجرأة والرقة

GMT 14:26 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 22:42 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

روبوتات نانوية لتوصيل الدواء داخل جسم الإنسان

GMT 18:47 2021 الثلاثاء ,23 شباط / فبراير

عادات خاطئة تفعلها عند شرب الماء تؤدي إلى الموت

GMT 17:17 2019 الأحد ,22 كانون الأول / ديسمبر

حريق في مبنى الخارجية المصرية

GMT 01:20 2019 الإثنين ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

الفنان تامر حسني يحتفل بـ أحمد عصام بهذه الطريقة

GMT 07:33 2024 الجمعة ,16 شباط / فبراير

مفاجأة بشأن الشرط الجزائي في عقد هالاند
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt