توقيت القاهرة المحلي 12:44:56 آخر تحديث
  مصر اليوم -

أولادى يا الله!

  مصر اليوم -

أولادى يا الله

أسامة غريب

خرج الركاب من الطائرة فوجدوا لافتات الترحيب بعدة لغات تقول لهم: أهلاً بكم فى مطار ستوكهولم. جرَّ الأستاذ مسعود حقيبة اليد وأسرع مع المسرعين فى الطريق إلى الجوازات. الطوابير طويلة، ومن الواضح أن عدة طائرات قد هبطت فى أوقات متقاربة فأحدثت هذا الزحام. وقف فى دوره ممسكاً حقيبته الصغيرة التى تحوى أدويته كلها فى يد، وفى اليد الأخرى تليفونه المحمول منتظراً أن يدق معلناً عن مكالمة من ابنه الذى ينتظره بالخارج. كان علاء الابن الصغير للأستاذ مسعود قد دعاه لزيارته بالسويد التى هاجر إليها منذ خمس سنوات، حيث تزوج وأنجب فتاة جميلة تقف بانتظار خروج جدها ومعه الهدايا التى وعدها بها فى التليفون. لم يكن الأستاذ مسعود الناظر بالمعاش يهوى السفر، لكنه استجاب لدعوة ولده بعد أن تزوج أبناؤه، ثم توفيت أم العيال، وخلا البيت عليه. دق جرس الموبايل فأوشك مسعود أن يرد قبل أن يكتشف أن نغمته يشترك معه فيها الراكب الذى يقف أمامه بالطابور. علا صوت الرجل الذى كان يتحدث العربية بلهجة شامية وهو يقول: شو؟ أنا لا أفهم، تمالك نفسك يا بنى وقل لى ماذا حدث.. غارة.. براميل؟ لا تخف يا ولدى واهدأ.. تماسك فأنت الكبير حتى لا تنقل الرعب لإخوتك الصغار، صدقنى سوف تمر الغارة بسلام كغيرها وسوف تلحقون بى قريباً، وحياة الله، لقد أنجزت كل شىء.. أعطنى أمك بسرعة. نظر الأستاذ مسعود للرجل فأبصر وجهه قد امتقع وبدت عليه كل آيات الهلع ثم سمعه يقول: لا تصرخى أرجوكِ من شان الولاد، خذيهم وانزلى بهم للسرداب.. الله بيستر، الله بيستر.

انقطعت المكالمة وظل الرجل يحاول مع التليفون الذى فرغت شحنته، ثم بعد أن تأكد من عبث المحاولة ألقى التليفون على الأرض ودهسه بقدمه ثم تهاوى إلى جانبه وانفجر فى البكاء. نزل الأستاذ مسعود على الأرض إلى جانبه وسأله بلهفة: ما الأمر؟ قال الرجل السورى فى ذهول: سمعت صوت الانفجار قبل انقطاع الخط.. سمعت صوت الانفجار. طمأنه مسعود وأعطاه تليفونه ليعاود الاتصال وهو يردد: إن شاء الله خير.. إن شاء الله خير. أمسك الرجل التليفون بيد مرتعشة وحاول أن يستجمع شتات نفسه ليتذكر الرقم ثم طلب النمرة وانتظر..لا أحد يرد..لا أحد يرد. قال مسعود: أكيد خرجوا من البيت..اطمئن وصلِّ على النبى. قال الرجل فى حرقة: وبماذا تفيد الصلاة على النبى؟ إن الذين يكثرون من الصلاة على النبى قد شرَّدونا وخربوا بيوتنا، والذين لا يعرفون النبى هم الذين يقدمون لنا العون. قال هذا ثم شرع يطلب رقماً آخر..قال: سأطلب أختى لعلها تعرف شيئاً. كان مسعود يتابع الموقف بعينين دامعتين وكيانه كله يرتعد من هول الموقف. حاول أن يُطمئن الرجل لكنه نفسه كان فى حالة سيئة. أخرج من حقيبته دواءً، ابتلع قرصاً منه وأمسك دواءً آخر، ووضع حبة تحت لسانه. صرخ الرجل السورى فى التليفون وهو ملقى على الأرض والركاب يتابعونه: ماذا؟ البيت انهار، صار كومة تراب..أولادى يا الله..أولادى يا الله.

وضع الرجل رأسه فى الأرض وأخذ ينتحب وجسده يهتز هزات قوية. تجمع الناس حوله فى فضول وهرع بعضهم يطلب له المساعدة من سلطات المطار، لكن وسط اهتمامهم بالرجل السورى المكلوم فاتهم أن ينتبهوا إلى أن الأستاذ مسعود الجالس إلى جواره قد أسلم الروح وفارق الحياة!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أولادى يا الله أولادى يا الله



GMT 04:00 2026 الأحد ,07 حزيران / يونيو

شاعر الرسائل... متقطع الإنتاج

GMT 03:54 2026 الأحد ,07 حزيران / يونيو

لبنان... نقلة نوعية وجذرية

GMT 03:52 2026 الأحد ,07 حزيران / يونيو

لبنان وألغام التفاوض

GMT 01:47 2026 الأحد ,07 حزيران / يونيو

هل يستطيع اللبناني الجنوبي أن يتكلّم؟

GMT 01:42 2026 الأحد ,07 حزيران / يونيو

ليبيا... سؤالُ التوطين يثير القلق

GMT 01:40 2026 الأحد ,07 حزيران / يونيو

من أين له هذا؟

GMT 01:37 2026 الأحد ,07 حزيران / يونيو

بريطانيا تبحث عن مشروعها السياسي التالي

GMT 01:33 2026 الأحد ,07 حزيران / يونيو

ثلاثة خيارات أمام لبنان

الفستان البليسيه الأبيض يتصدر إطلالات إليسا المميزة

بيروت - مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 06:48 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

تركي آل الشيخ يمازح ابراهيم فايق ومهيب عبد الهادي

GMT 01:35 2024 السبت ,16 تشرين الثاني / نوفمبر

سنغافورة نموذج عالمي لتحقيق جودة حياة وصحة مستدامة

GMT 12:44 2020 الجمعة ,25 كانون الأول / ديسمبر

صلاح يتخذ أولى الخطوات للرحيل عن ليفربول

GMT 14:18 2024 السبت ,13 كانون الثاني / يناير

من أي معدن سُكب هذا الدحدوح!

GMT 23:31 2021 الأحد ,19 أيلول / سبتمبر

نصائح الخبراء للعناية بالبشرة في المنزل

GMT 09:18 2020 السبت ,05 كانون الأول / ديسمبر

بيراميدز يخاطب نادي الزمالك لشراء نجمه

GMT 03:26 2020 الأربعاء ,14 تشرين الأول / أكتوبر

منتخب البرازيل المنتشي يتحدى طموح بيرو في تصفيات كأس العالم

GMT 16:13 2020 الخميس ,08 تشرين الأول / أكتوبر

الاتحاد الإيطالي يفرض العزل على منتخب الشباب تحت 21 عامًا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt