توقيت القاهرة المحلي 17:26:42 آخر تحديث
  مصر اليوم -

من روائع أبي الطيب (41)

  مصر اليوم -

من روائع أبي الطيب 41

بقلم - تركي الدخيل

بَيَّنَّا في الحَلْقَةِ الماضِيةِ أَنَّ مِن مَزَايَا شِعرِ أَبِي الطَّيِّبِ؛ إِرسَال المَثَلِ في أَنصافِ الأبياتِ. ونُواصِلُ في هذه الحَلْقَةِ استِعرَاضَ بَعْضِ أَعْجَازِ أَبياتِ المُتَنَبِّي، الَّتِي ذَهَبَتْ أَمثالاً سَائِرَةً.

(119) إِنَّ القَلِيلَ مِنَ الحَبِيبِ كَثِيرُ
القَلِيلُ مِنَ الحَبِيبِ كَثِيرٌ، فَالحُبُّ يَزِيدُ القَلِيلَ حَتَّى يَجْعَلَهُ كَثِيراً.
ولأبي الطَّيِّبِ المُتَنَبِّي، أيضاً، قولُهُ:
وجُودَكَ بالمُقامِ ولَو قَليلاً * فَما فِيمَا تَجُودُ بهِ قَليلُ
فَما كَانَ مِنكَ، وَإِنْ قَلَّ، فَهُوَ كَثِيرٌ، إِذْ لَا يُوجَدُ فِي جُودِكَ قَلِيلٌ أَصْلاً!
وَالْفِكْرَةُ مُتَكَرِّرَةٌ عِندَ الشُّعَرَاءِ...

فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ الطَّثْرِيَّةِ:
وَليسَ قَلِيلاً نَظْرَةٌ إنْ نظَرْتُها * إلَيكِ وقُلٌّ مِنْكِ ليسَ قَلِيلُ
وقَوْلُ إِسْحَاقَ المَوْصِلِيِّ:
إنَّ مَا قَلَّ مِنكَ يكْثُرُ عِنْدِي * وكَثِيرٌ مِمَّنْ تُحِبُّ القَلِيلُ
وقد أَكَّدَ المَوْصِلِيُّ ما ذَكَرْنَاهُ آنِفاً، مِن أَنَّ الحُبَّ يُكَثِّرُ القَلِيلَ.
ومِثْلُهُ قَوْلُ أَشْجَعَ السُّلَمِيِّ:
وُقُـوفــاً بـالـمَـطِــيِّ وَلَـوْ قَـلـِيــلاً * وَهـلْ فِـيـمـا تَـجُـودُ بِـهِ قَـلـِيــلُ
عسَى يُطْفِي الودَاعُ غَليلَ شوقٍ * وهل يُـطْـفَـى مِن الشَّوقِ الغليلُ
وتَسَاؤُلُ أَشْجَعَ فِي بَيْتِهِ الأَوَّلِ، مِن بَابِ السُّؤَالِ مَعْلُومِ الإِجَابَةِ، فَسُؤَالُهُ: (وَهَلْ فِيمَا تَجُودُ بِهِ قَلِيلُ؟) إِجَابَتُهُ مَعْرُوفَةٌ، وَإِنْ لَمْ تُلْفَظْ، فَلَا قَلِيلَ فِيمَا تَجُودُ بِهِ.


(120) وبِضِدِّهَا تَتَبَيَّنُ الأشْيَاءُ
لَا يُظْهِرُ الأَشْيَاءَ عَلَى صُورَتِهَا الحَقِيقِيَّةِ إِلَّا أَضْدَادُهَا.
وهذا ما جَلَّاهُ عَجْزُ أَبي الطَّيِّبِ، المَذْكُورُ، الَّذِي صَارَ مَثَلاً سَائِراً مُنْتَشِراً، وَهُوَ قَوْلُهُ:
وَبِضِدِّهَا تَتَبَيَّنُ الأَشْيَاءُ
ونَحْوُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلَهُ، قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ الحُسَيْنِ المَنْبِجِيِّ، فِي «اليَتِيمَةِ»:
ضِدَّانِ لَمَّا اسْتَجْمَعَا حَسُنَا * وَالضِّدُّ يُظْهِرُ حُسْنَهُ الضِّدُّ
وَهُوَ لَيْسَ مِثْلَ عَجْزِ أَبِي الطَّيِّبِ، لِمَا شَرَحَهُ شَيْخُ العَرَبِيَّةِ ابْنُ جِنِّي، بِقَوْلِهِ:
«وَهَذَا بَيْتٌ مَدْخُولٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ ضِدَّيْنِ اجْتَمَعَا حَسُنَا، أَلَا تَرَى أَنَّ الحَسَنَ إِذَا قُرِنَ بِالقَبِيحِ، بَانَ حُسْنُ الحَسَنِ وَقُبْحُ القَبِيحِ، وَلَمْ يَحْسُنَا جَمِيعاً؟ وَبَيْتُ المُتَنَبِّي أَسْلَمُ؛ لِأَنَّ الأَشْيَاءَ بِأَضْدَادِهَا يَصِحُّ أَمْرُهَا، وَتُسْفِرُ لِمُتَأَمِّلِهَا، حَسَنَةً ظَهَرَتْ أَمْ قَبِيحَةً».
وصَدَقَ ابْنُ جِنِّي، وَأَحْسَنَ قَوْلاً وَشَرْحاً، فَاجْتِمَاعُ الأَضْدَادِ لَا يَعْنِي حُسْنَ الضِّدَّيْنِ بِالضَّرُورَةِ، لَكِنْ اجْتِمَاعُهُمَا يُبَيِّنُ صِفَاتِ كُلٍّ مِنهُمَا، وَهُوَ مَا جَاءَ عِندَ المُتَنَبِّي، بِقَوْلِهِ:
(وَبِضِدِّهَا تَتَبَيَّنُ الأَشْيَاءُ) ...
وَلَيْسَ صَحِيحاً مَا جَاءَ عِندَ المَنْبِجِيِّ، بِقَوْلِهِ: 
(وَالضِّدُّ يُظْهِرُ حُسْنَهُ الضِّدُّ) ...

وكَمَا أَنَّ الأَشْيَاءَ تَتَبَيَّنُ بِضِدِّهَا، فَإِنَّ الأَشْيَاءَ تَتَبَايَنُ بِضِدِّهَا أَيْضاً.
فَـ«تَتَبَيَّنُ» بِظُهُورِ مَا هِيَ عَلَيْهِ، وَ«تَتَبَايَنُ» بِاخْتِلَافِهَا عَنْ غَيْرِهَا بِشَكْلٍ بَيِّنٍ جَلِيٍّ.

(121) والمُسْتَغَِرُّ بِمَا لَدَيهِ الأَحْمَقُ
الأَحْمَقُ: الجَاهِلُ. وَالمُسْتَغِرُّ: المُغْتَرُّ، أو المَغْرُورُ.
ورُوِيَ: المُستَغَرُّ (بفتح الغين)، وَهُوَ الَّذِي دُفِعَ إِلَى الغُرُورِ، وَزُيِّنَ لَهُ ذَلِكَ.
كما رُوِيَ: المُستَعِزُّ، وَهُوَ مَنِ اسْتَعَزَّ بِمَا لَدَيْهِ مِن مَالٍ أَو جَاهٍ.
والمعنى – باللفظة الأولى –: أَنَّ المُغْتَرَّ بِمَا لَدَيْهِ مِن الدُّنْيَا، وَمَا حَصَّلَ فِيهَا، هُوَ الأَحْمَقُ.
وباللفظة الثانية: مَن زُيِّنَ لَهُ الغُرُورُ، فَاغْتَرَّ بِمَا عِندَهُ مِن حُطَامِ الدُّنْيَا، فَهُوَ الأَحْمَقُ.
وبالثالثة: مَنِ اسْتَعَزَّ بِهَذِهِ المُتَعِ الزَّائِلَةِ، وَظَنَّ أَنَّها سَتُعِزُّهُ، فَهُوَ الأَحْمَقُ.
وبالجملة: مَنِ اغْتَرَّ أَوِ اعْتَزَّ بِالدُّنْيَا وَبُهْرُجِهَا وَحُطَامِهَا، فَهُوَ الأَحْمَقُ.
أَمَّا العَاقِلُ، فَلَا يَكُونُ كَذَلِكَ، لِيَقِينِهِ أَنَّ كُلَّ مَا لَدَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا زَائِلٌ ذَاهِبٌ، وَأَنَّ المَوْتَ آتٍ لَا مَحَالَةَ، نَازِلٌ بِالخَلْقِ كُلهم.
وقد بَيَّنَ المُتَنَبِّي هذا المَعْنَى بِجَلَاءٍ، فِي بَيْتِهِ القَائِلِ:
نَبْكِي على الدُّنْيَا ومَا مِن مَعْشَرٍ * جَمَعَتْهُمُ الدُّنْيَا فَلَمْ يَتَفَرَّقُوا
وَفِي بَيْتِهِ القَائِلِ:
وقَد فارَقَ النَّاسُ الأَحِبَّةَ قَبلَنا * وأَعيَا دَواءُ المَوتِ كُلَّ طَبيبِ
فَمَا أَكْثَرَ ما يَغْتَرُّ بِهِ النَّاسُ، وَما أَقَلَّ ما يَبْقَى لَهُم! 
عَلَّمَنَا أَبو الطَّيِّبِ أَنَّ القَلِيلَ مِنَ الحَبِيبِ، إِنْ كَانَ صَادِقاً، أَغْلَى مِنْ كَثِيرٍ يَجِيءُ مُتَكَلَّفاً، وَأَنَّ الأَشْيَاءَ لَا تُدْرَكُ حَقَائِقُهَا إِلَّا بِنَقَائِضِهَا، وَأَنَّ مَنْ اسْتَغْنَى بِمَا فِي يَدِهِ، وَظَنَّ الدُّنْيَا عِزّاً، فَقَدْ خُدِعَ. 
أَيُغْنِي مَتَاعٌ لَا يُرَافِقُ إِلَى القَبْرِ؟! 
وَهَلْ يَعْصِمُ عَنِ الفَنَاءِ جَاهٌ أَوْ مَالٌ؟! 
الدُّنْيَا تُرِينَا كَثِيراً، لِنَعْرِفَ أَنَّ القَلِيلَ أَثْمَنُ، وَتَجْمَعُنَا لِنُدْرِكَ أَنَّهَا مَا جَمَعَتْ أَحَداً إِلَّا فَرَّقَتْهُ.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

من روائع أبي الطيب 41 من روائع أبي الطيب 41



GMT 10:41 2026 السبت ,14 شباط / فبراير

الأمس كان

GMT 10:39 2026 السبت ,14 شباط / فبراير

«لا» إسرائيلية لافتة بوجه ترمب

GMT 10:39 2026 السبت ,14 شباط / فبراير

البُكاءُ لا يَردُّ الأمواتَ!

GMT 10:37 2026 السبت ,14 شباط / فبراير

الطاهر الحداد... بين الثورة والمحنة

GMT 10:36 2026 السبت ,14 شباط / فبراير

تحت الشمس لمدة خمس عشرة دقيقة!

GMT 10:36 2026 السبت ,14 شباط / فبراير

الأوروبيون من أصول مهاجرة مختلفو الرؤى

GMT 10:35 2026 السبت ,14 شباط / فبراير

ماسك ــ ساغان... وإنقاذ الجنس البشري

GMT 10:34 2026 السبت ,14 شباط / فبراير

جبتك يا عبد المعين

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 09:31 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الميزان الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 11:00 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العقرب السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025

GMT 01:54 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

أغنياء المدينة ومدارس الفقراء

GMT 12:10 2026 الجمعة ,09 كانون الثاني / يناير

ألوان التراب تسحر إطلالات النجمات شتاء 2026

GMT 12:11 2023 الإثنين ,02 تشرين الأول / أكتوبر

الكتب الأكثر إقبالاً في معرض الرياض الدولي للكتاب

GMT 11:53 2026 الأحد ,04 كانون الثاني / يناير

جميل عازار وداعا

GMT 05:29 2021 السبت ,25 كانون الأول / ديسمبر

مفاجآت بشأن تجديد عقد بن شرقي مع الزمالك

GMT 06:50 2025 الأربعاء ,06 آب / أغسطس

أفكار ذكية لحمام أنيق في مساحة محدودة

GMT 14:18 2024 السبت ,13 كانون الثاني / يناير

من أي معدن سُكب هذا الدحدوح!

GMT 17:43 2020 السبت ,19 كانون الأول / ديسمبر

نيللي كريم تريند جوجل بعد احتفالها بعيد ميلادها

GMT 23:54 2017 الجمعة ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

جهاز الزمالك يعترض على قرارات حكم مباراة النصر

GMT 13:48 2021 السبت ,27 شباط / فبراير

ميسي يتبرع بحذاء خاص قبل مواجهة إشبيلية
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt