توقيت القاهرة المحلي 03:19:16 آخر تحديث
  مصر اليوم -

عَدُوُّكَ مَذْمُوْمٌ بِكُلِّ لِسَانِ

  مصر اليوم -

عَدُوُّكَ مَذْمُوْمٌ بِكُلِّ لِسَانِ

بقلم : تركي الدخيل

عَدُوُّكَ مَذْمُومٌ بِكُلِّ لِـسَانِ وَلَو كَانَ مِنْ أَعْدَائِكَ القَمَرَانِ

وَلِلهِ سِــرٌّ فِـي عُـلَاكَ وَإِنَّـمَـا كَـلَامُ العِـدَى ضَـرْبٌ مِـنَ الـهَـذَيَـانِ

وَيُرْوَى عَجْزُ البَيْتِ الأَوَّلِ: (وَإِنْ كَانَ مِنْ أَعْدَائِكَ القَمَرَانِ)، كَمَا عِنْدَ الوَاحِدِي فِي شَرْحِ دِيوَانِ المُتَنَبِّي.

«القَمَرَانِ»: هُمَا الشَّمْسُ والقَمَرُ، غُلِّب أَخَفُّ الاسْمَيْنِ فَجُمِعَا بِهِ، وَهْوَ القَمَر. وِمثْلُهُ جَمْعُهُمْ لِأَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ وَعُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، عَلَى: «العُمَرَيْنِ»، تَغْلِيبًا لِلَأَخَفِّ نُطْقًا، لَا لِلْأَعْلَى مَكَانَةً.

يَقُولُ الفَرَزْدَقُ:

أَخَذْنَا بِآفَاقِ السَّمَاءِ عَلَيكُمُ لَنَا قَمَرَاهَا والنُّجُومُ الطَّوالِعُ

«الْهَذَيَانُ»: كَلَامٌ غَيْرُ مَعْقُولٍ مِثْلُ كَلَامِ الْمَعْتُوهِ. هَذَى يَهْذِي هَذْيًا وَهَذَيَانًا: تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ غَيْرِ مَعْقُولٍ فِي مَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَهَذَى إِذَا هَذَرَ بِكَلَامٍ لَا يُفْهَمُ، وَهَذَى بِهِ: ذَكَرَهُ فِي هُذَائِهِ، وَالْاسْمُ مِنْ ذَلِكَ الْهُذَاءُ. وَرَجُلٌ هَذَّاءٌ وَهَذَّاءَةٌ: يَهْذِي فِي كَلَامِهِ أَوْ يَهْذِي بِغَيْرِهِ. «لِسَانُ العَرَب».

وَبَيْتَا المُتَنَبّي ذهَبَ كَثِيرٌ من شُرَّاحِهِمَا إلَى أَنَّهُمَا مِنَ المَدْحِ الَّذِي يُرَادُ بِهِ الذََّم، أو كَمَا يُقالُ فِي كُتُبِ البَلَاغَة: «المَدْحُ بِمَا يُشْبِهُ الذَّمَّ»، فَهُوَ مِنْ الكَلَامِ الَّذِي يَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهِ مَعْنَيَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ، المَدحَ وَالذَّمّ. وَمِثَالُ ذَلِكَ حَدِيثُ النَّبِيّ ﷺ، القَائِلُ: «... إذَا لَمْ تَسْتَحِ فاصْنَعْ مَا شِئت»! وَالمَعْنَى الأَوَّلُ: إذَا لَمْ يَمْنَعْكَ الحَيَاءُ فَإِنَّكَ مُرْتَكِبٌ أَفْعَالاً لَا حَيَاءَ لِأَهْلِهَا. وَالمَعْنَى الثَّانِي: إذَا لَمْ تَفْعَلْ مَا يَسْتَحِي مِنْهُ الخَلْقُ، فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ مِنَ الأفعال التي لا يستحيا منها.

قَالَ ابْنُ جِنِّي، فِي «الفَسْرُ الكَبِير»:

«وهَذَا مَدْحٌ كَمَا تَرَاهُ، وقَدْ يُمْكِنُ أنْ يُنْقَلَ هِجَاءً، فَكَأنَّهُ قَالَ: أَنْتَ سَاقِطٌ رَذْلٌ، والسَّاقِطُ لا يُضَاهِيهِ ويُعَادِيهِ إلَّا مِثْلُهُ، فَإذَا كَانَ مُعَادِيكَ مِثْلَكَ فَهُو مَذْمُومٌ بِكُلِّ لِسَانٍ، كَمَا أنَّكَ كَذَلِكَ، ولَو عَادَاكَ الشَّمْسُ والقَمَرُ لَسَقَطَتَا بِمُسَاجَلَتِهِمَا إيَّاكَ، أَلا تَرَاهُ يَقُولُ بَعْدُ؟

وَلِلهِ سِرٌّ فِي عُلَاكَ وَإِنَّمَا كَلَامُ العِدَى ضَـرْبٌ مِنَ الهَذَيَانِ

هَذَا مِمَّا يُقْلَبُ هِجَاءً عن قُرْبٍ لا مَحَالَةَ؛ لأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُصْرَفَ إلَّا إلَى أنَّهُ أَرَادَ أنْ يَغِيظَ بِكَ الأحْرَارَ».

وَقَالَ الوَاحِدِي:

«مَنْ عَادَاكَ دَلَّ علَى جَهَالتِه، وسَقَطَتْ منزلَتُهُ عِنْدَ النَّاس، حتَّى ذَمَّهُ كُلُّ أحَدٍ. وَلَوْ كَانَ القَمَرَانِ مِنْ أعدائِكَ لصَارَا مَذْمُومَيْنِ، مَعَ عُمُومِ نَفْعِهِمَا، وَارْتِفَاعِ منزلَتِهِما.

ولِله سِرٌّ فِي عُلَاكَ وإِنََّمَا كَلامُ العِدَى ضَرْبٌ مِنَ الهَذَيَانِ

يَقُولُ: للَّهِ تَعَالَى سِرٌّ فِيمَا أَعْطَاكَ مِنَ العُلُوِّ والبَسْطَةِ، لا يطَّلِعُ النَّاسُ علَى ذَلِكَ

السِّرِّ، وَلَا يَعْلَمُونَ مَا هُوَ. وَمَا يَخُوضُ الأَعْدَاءُ فِيهِ مِنَ الكَلَامِ فيكَ، نَوعٌ مِن الهَذَيَان، بعدَ أنْ أرَادَ اللَّهُ فِيكَ مَا أَرَادَ. وَهَذَا إلَى الهِجَاءِ أقرَبُ؛ لأنَّه نَسَبَ عُلُوَّهُ عَلَى النَّاسِ إلَى قَدَرٍ جَرَى بِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ، والقَدَرُ قد يُوافِقُ بعضَ النَّاسِ فيَعْلُو وَيَرْتَفِعُ عَلَى الأَقْرَانِ، وإنْ كَانَ سَاقِطًا بِاتّفَاقٍ مِنَ القَضَاءِ».

قُلْتُ: بَيْنَ مَدَائِحِ أَبِي الطََّيِّب فِي كَافُور الإِخْشِيدي، مَا كَانَ مَدْحًا يَسْتَبْطِنُ ذمًّا، لَكِنَّ شُرَّاحَ دِيوَانِ المُتَنَبِّي قَدْ بَالَغُوا وَذَهَبُوا بَعِيدًا فِي المَوْضُوعِ، حتَّى تَمَحَّكُوا فِي تَحْوِيلِ المَدِيحِ هِجَاءً، وَاللهُ أَعْلَم.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عَدُوُّكَ مَذْمُوْمٌ بِكُلِّ لِسَانِ عَدُوُّكَ مَذْمُوْمٌ بِكُلِّ لِسَانِ



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt