توقيت القاهرة المحلي 19:08:56 آخر تحديث
  مصر اليوم -

رَأَيْتُ عَرَابَةَ الأَوْسِيَّ يَسْمُو

  مصر اليوم -

رَأَيْتُ عَرَابَةَ الأَوْسِيَّ يَسْمُو

بقلم:تركي الدخيل

عَلَى مَدَى 14 قرناً مَضَتْ، ردَّدَ عُشَّاقُ الشّعْرِ وَالأَدَبِ العَرَبِيّ أبياتاً قِيلَتْ فِي مَدْحِ الصَّحَابِيّ الأَنْصَارِي عُرَابَة بنِ أَوْسٍ الأَوْسِيّ، هِيَ قولُ الشَّاعِرِ:

رَأَيْتُ عَرَابَةَ الأَوْسِيَّ يَسْمُو إِلَى الخَيْرَاتِ مُنْقَطِعَ الْقَرِينِ

إِذَا مَا رَايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ تَلَقَّاهَا عَرَابَةُ بِالْيَمِينِ

إِذَا بَلَّغْتِنِي وَحَمَلْتِ رَحْلِي عَرَابَةَ فاشْرَقِي بِدَمِ الْوَتِينِ

يَقولُ: تَأمَّلْتُ فَوَجدْتُ (عَرَابَة الأَوْسِيّ)، وَهوَ المَمَدُوحُ، يَسمُو: فِعلٌ مُضَارَعٌ يَدُلُّ عَلَى الاسْتِمرَارِ، وَهوَ الارتِفَاعُ وَالارْتِقَاءُ وَالعُلُوُّ، واشتِقَاقُهُ مِنَ السَّمَاءِ، فَكَأنَّ الذِي يَسْمُو، يَرتَفِعُ حتَّى يَكادَ يَصِلُ السَّمَاءَ بِعُلُوِّهِ فِي السَّجَايَا الحَمِيدَةِ وَالأفْعَالِ المَجِيدَةِ. وَهُوَ بِهذَا الصُّعُودِ المُتَوَاصِلِ، فِي صُنُوفِ الخَيرِ، ليسَ لَهُ مَثِيلٌ، فِي هَذَا العُلُوّ، وَلِذَلِكَ فَإنَّ عَرَابَةَ بِهذَا المَسلِكِ، يُعْتَبَرُ: (مُنْقَطِعَ القَرِينِ)، والقَرِينُ الشَّبِيهُ وَالمَثِيلُ، الذِي عَادَةً مَا يَكُونُ قَرِيباً مِنْ صَاحِبِهِ وَصَدِيقِهِ. وَسُمِّيَ قَرِيناً اشْتِقَاقاً مِنْ قَرْنَيِ الحَيَوَانِ... كَقَرْنَيِ الوَعْلِ مَثلاً، وَذَلكَ لأنَّهُمَا قَرِيبَانِ مِنْ بَعْضِهِمَا، وَمُتَجَاوِرَانِ دَوماً.

وَفِي البَيتِ الثَّانِي يَتَحَدَّثُ عَنْ جَاهِزِيَّةِ عَرَابَةَ الدَّائِمَةِ لِفِعْلِ الخَيْرِ وَصِنَاعَةِ المَجْدِ، فَفِي حَالِ مَا رَايةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ نَهَضَ إليهَا عَرَابَةُ وَتَلقَّاهَا بِيُمْنَاهُ. وَالشَّاعِرُ يَقُولُ: (إذَا مَا)، أيْ فِي حَالةِ، وَ(رَايَة) من دونِ الألفِ واللَّام نَكرةٌ أكَّد بِهَا أنَّ اسْتِعْدادَهُ لِفِعْلِ الخَيرِ لَيسَ مُرتَبِطاً بِمَعْرِفَةٍ بِمنْ يَدعُو لَهُ بَلْ هيَ استجَابةٌ فَطريةٌ لِلَّدعوَةِ ذَاتِهَا قَناعةً بهَا، وَطِيباً بِالمُستَجِيبِ وَجودةً فيه. وَرَايةٌ رُفِعَتْ لِمَجدٍ: باعتِبارِ مَا يَتَحَقَّقُ لَاحِقاً لِمنْ يَفعلُ الخَيرَ مِنْ مَجْدِ الذّكْرِ الحَسنِ. وَقولُ الشَّاعِرِ (تَلَقَّاهَا) وَليسَ أخَذَهَا، دَليلٌ علَى حَفَاوَتِهِ بهِ، فَالتَّلقّي يعكسُ المَحبةَ وَالحِرصَ وَالحَفَاوةَ مِنَ المُتَلقِّي بمَا يَتلقَّى. وَقَولُهُ (بِاليَمِينِ) دَليلٌ عَلَى العَزِيمَةِ الكَامِلةِ وَالشَّامِلةِ وَالقَويَّةِ فِي هذَا التَّلقّي، وَلِذَلكَ كَانَ بِاليَمِينِ وَهِيَ اليَدُ التِي تُعبِّر فِي المِخيَالِ العَرَبِي عَنِ التَّكرِيمِ وَالتَّشْرِيفِ وَالرّفْعَةِ انْعكَاساً لِتَلقٍّ رَاقٍ حَريصٍ مُكتملٍ.

وَفِي البَيتِ الثَّالثِ يُخاطِبُ الشَّاعرُ نَاقتَهُ، وَخِطَابُهُ لِلنَّاقةِ الذِي ينقلُهُ لِجمهُورِ شِعرِهِ يعكسُ فيهِ عُمقَ عَلاقتِهِ مَعَ هَذهِ النَّاقَةِ. لَكنَّهُ معَ هذهِ العَلاقةِ يُعلنُ لِناقتِهِ أنَّهَا إذَا أوْصَلتْه إلَى مَرَابِعِ عَرابَةَ فَيُمكنُهَا أنْ تَموتَ، وَعَبَّرَ عَنِ المَوْتِ بِقَولِهِ: (فاشرقِي بدمِ الوَتِينِ)، وهوَ فِعلٌ مُمِيتٌ، يأمرُهَا بفعلِهِ، دلالةً علَى قَبولِهِ لِلفعلِ إذَا حَدَثَ، فَإنَّهُ إذَا بَلغَ عَرَابَةَ لنْ يحتاجَ مَعهُ إلَى أَحَدٍ وَلنْ يلجأَ بعدَه غيرَ مَلجأ، فَكرَمَ الأوْسِيّ يغمرُكَ فَلَا تَحتَاجُ مَعهُ إلَى غَيرِه!

والأبياتُ، للشَّاعرِ المُخَضْرَمِ الفَحْلِ، الشَّمَّاخِ بنِ ضِرَارٍ المَرِّيّ، وَقصَّتُهَا أنَّ عَرابَةَ قَدِمَ من سَفرٍ، فَجَمَعَهُ الطريقُ بالشَّمَّاخ، فَقالَ عَرَابةُ: ما الّذِي أقْدَمَك المَدينةَ؟ قَالَ: قَدِمْتُ لأَمتَارَ مِنهَا (أيْ أجمعُ لي ولأهلِي مُؤنةً وطَعاماً مِنَ الحَبّ وَالقُوتِ)، فَمَلأَ لَهُ عَرابةُ رَوَاحِلَهُ، بُرّاً وتَمراً، وَأتحفَهُ بِغيرِ ذلكَ، فَقالَ الشَّمَّاخُ الأبيَاتَ فِي مَدحِ عَرَابَةَ.

كَانَ عَرَابَةُ بنُ أَوسٍ الأَوْسِيّ الأنصَاريّ، منْ سَادَاتِ المَدِينَةِ الأجْوَادِ، أدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ صغيراً، وَتَصَدَّرَ لِلمُشَارَكَةِ فِي مَعْرَكَةِ أُحُد، فاسْتَبعدَهُ النَّبِيُّ لصِغَرِ سِنّهِ، وَهوَ صِحَابيٌّ جَليلٌ، وَفَدَ إلَى الشَّامِ فِي عَهدِ مُعَاويَةَ بنِ أبِي سُفيَانَ، خَليفَةِ المُسلِمِينَ، فَسَأَلَهُ مُعاويَةُ: بمَ سُدْتَ قومَكَ؟

فَقالَ: لَسْتُ بِسيّدِهمْ ولَكنّي رَجلٌ مِنْهُمْ.

(إنَّهَا عَادةُ الكِبَارِ، يَزدَادُونَ كِبَراً فِي مَكَانَتِهمْ، وَلَا يَكبرُ فِيهمْ مثل تَوَاضُعِهمْ).

عَزَمَ مُعَاويَةُ عَلَى عَرَابَةَ بالسُّؤَالِ، فأجَابَ الأوْسِيّ بقولِهِ:

أعْطَيْتُ في نائِبَتِهم، وحَلُمْتُ عن سَفِيهِهِمْ، وشَدَدْتُ على يَدَيْ حَلِيمِهِمْ؛ فَمَنْ فَعَلَ مِنهمْ مِثْلَ فِعْلي فَهوَ مِثْلِي، ومِنْ قَصُرَ عَنهُ فَأنَا أفْضَلُ مِنهُ، ومَنْ تَجَاوَزَهُ فَهوَ أفْضَلُ مِنّي.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

رَأَيْتُ عَرَابَةَ الأَوْسِيَّ يَسْمُو رَأَيْتُ عَرَابَةَ الأَوْسِيَّ يَسْمُو



GMT 10:41 2026 السبت ,14 شباط / فبراير

الأمس كان

GMT 10:39 2026 السبت ,14 شباط / فبراير

«لا» إسرائيلية لافتة بوجه ترمب

GMT 10:39 2026 السبت ,14 شباط / فبراير

البُكاءُ لا يَردُّ الأمواتَ!

GMT 10:37 2026 السبت ,14 شباط / فبراير

الطاهر الحداد... بين الثورة والمحنة

GMT 10:36 2026 السبت ,14 شباط / فبراير

تحت الشمس لمدة خمس عشرة دقيقة!

GMT 10:36 2026 السبت ,14 شباط / فبراير

الأوروبيون من أصول مهاجرة مختلفو الرؤى

GMT 10:35 2026 السبت ,14 شباط / فبراير

ماسك ــ ساغان... وإنقاذ الجنس البشري

GMT 10:34 2026 السبت ,14 شباط / فبراير

جبتك يا عبد المعين

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 09:31 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الميزان الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 11:00 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العقرب السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025

GMT 01:54 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

أغنياء المدينة ومدارس الفقراء

GMT 12:10 2026 الجمعة ,09 كانون الثاني / يناير

ألوان التراب تسحر إطلالات النجمات شتاء 2026

GMT 12:11 2023 الإثنين ,02 تشرين الأول / أكتوبر

الكتب الأكثر إقبالاً في معرض الرياض الدولي للكتاب

GMT 11:53 2026 الأحد ,04 كانون الثاني / يناير

جميل عازار وداعا

GMT 05:29 2021 السبت ,25 كانون الأول / ديسمبر

مفاجآت بشأن تجديد عقد بن شرقي مع الزمالك

GMT 06:50 2025 الأربعاء ,06 آب / أغسطس

أفكار ذكية لحمام أنيق في مساحة محدودة

GMT 14:18 2024 السبت ,13 كانون الثاني / يناير

من أي معدن سُكب هذا الدحدوح!

GMT 17:43 2020 السبت ,19 كانون الأول / ديسمبر

نيللي كريم تريند جوجل بعد احتفالها بعيد ميلادها

GMT 23:54 2017 الجمعة ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

جهاز الزمالك يعترض على قرارات حكم مباراة النصر

GMT 13:48 2021 السبت ,27 شباط / فبراير

ميسي يتبرع بحذاء خاص قبل مواجهة إشبيلية
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt