توقيت القاهرة المحلي 21:56:59 آخر تحديث
  مصر اليوم -

بيضٌ صنائعُنا!

  مصر اليوم -

بيضٌ صنائعُنا

بقلم:تركي الدخيل

بِيضٌ صَنائعُنَا سودٌ وقائعُنَا

خُضرٌ مرابعُنَا حُمرٌ مَواضِينَا

هذا البيتُ من أشهرِ أبياتِ الفخرِ العَربيةِ، للشَّاعرِ صَفِيِّ الدين الحِلِّي (677 - 750 هـ = 1278 - 1349م)، شاعرِ زمنِه، وهو من الحِلَّة: منطقة بين بغدادَ والكوفة.

وبيتُ القَصيدِ ضمنَ قَصيدةٍ قِيلَ أنَّ صَفيَّ الدين الحِلّي قالَها بعدَ غَزوِ التَّتارِ بغدادَ، وكَانَ أرادَهَا لاستنهَاضِ الهمم، وسَلكً فيهَا طَريقَ الفَخرِ لهذهِ الغَايَة.

وبيتُ القَصِيدِ، بيتٌ مُلَوَّنٌ، ذَكَرَ فيه الشَّاعِرُ جَمعَ: اللَّونِ الأبيَضِ، والأسوَدِ، والأخضَرِ، والأحْمَرِ.

واسْتِخدَامُ الألوَانِ للتَّعبِيرِ عن وَصْفِ الحَالِ دَارِجٌ عندَ العَرب. في القرآن الكَرِيم: «يومَ تبيَّضُ وُجوهٌ وَتَسوَدُّ وُجُوه»، يوم القِيامَةِ تَبيَضُّ وُجُوهُ المؤمنينَ وتَسوَدُّ وُجُوهُ الكَافِرِينَ والمُنَافِقينَ.

قولُه: سُودٌ مَوَاقعُنَا: مَواقعُ جَمعُ مَوقِعةٍ وهيَ المَعاركُ، وَوصفُ وقائعِ القتالِ بالسُّودِ يعنِي أنَّكَ أذقتَ خصمَكَ الوَيلَ والثُّبورَ والهَزيمةَ والخذلانَ، وأنَّ المَواقِعَ ذات بأسٍ شديدٍ، ولكنَّنا لا نهَابُهَا، بل نقتحمُهَا بكلّ شَجَاعَةٍ.

وفي عَجْزِ البَيتِ: أرَادَ الشَّاعرُ أن يُبَيّنَ أنَّ مَنْ يُقدّمُ فعالَ الإحسَانِ ويهزمَ أعداءَه هزيمةً نَكراءَ، لابدَّ أنْ يكونَ حَصَادُهُ وَفيراً، وتكونُ مرابعُه التي يرتَعُ فيهَا ذاتَ خِصبٍ عَظيمٍ. فاللونُ الأخضَرُ يدلُّ علَى الرَّخَاءِ والنَّمَاءِ والخِصْب.

ومَرابِعُ: جَمعُ مَرْبَعٍ، حيثُ تَرعَى الدَّوَابُ في الرَّبيع تَحديداً.

حُمرٌ مَواضِينَا: تَعنِي أنَّ سُيوفَنَا حَمراءُ بدِمَاءِ عَدوّنَا، وسَمَّى السُّيوفَ مَوَاضيَ، لأنَّهمْ كَانوا يُمضُونَهَا في ضَرْبِ وإدْمَاءِ العِدَا. والمَوَاضِي: جَمْعُ مَاضِية، أمضَى سيفَه: أعملَهُ ضَرباً في العَدوّ وقتلا.

وفِي بعضِ المناطقِ العربية يقولونَ: امضِ السّكينَ بمعنَى اشحذْهُ.

وقولُه: بيضٌ صنائعُنَا: كَنَّى بِهِ عن صُنعِ المَعروف. ويقولونَ: «صَنائعُ المَعروفِ تَقِي مَصَارعَ السُّوء».

وَسُودٌ وقائعِنا: كِنايةٌ عن خوضِ الحُرُوب.

خُضرٌ مَرابعُنا: عن الخِصبِ العَظيم.

وحُمرٌ مَواضِينَا: عنِ الشَّجاعَةِ والإقدَامِ.

وإذْ أنَّ معظمَ أعْلَام الدّولِ العَربيَّةِ في ألوانِها الأبيض والأسود والأخضر والأحمر، قيلَ إنَّ هذه الألوانَ اشتقَّتْ من بيتِ الشّعرِ المَذكور. وقيلَ إنَّها أُخِذتْ من علَمِ الثورةِ العربيةِ الكبرى ضد الدَّولةِ التركية، واستخدم فيه الأخضر استلهاماً من دولة الخلافة الرَّاشدة ولونِ آل البيت. واللون الأسود من رايةِ بني العَباس، وقبلهم كانت رايةُ الرسولِ صلى الله عليه وسلم سوداءَ. واللون الأبيض من رايةِ الدولةِ الأموية. واللون الأحمر من رايةِ الهاشميين وكانت حمراءَ.

والأبيضُ والأسودُ لونان يعبر الأول فيهما عن العملِ الصَّالح، والثاني عن سوءِ نتيجة من لم يقدم لنفسِه عملاً يجعله ينالُ نجاحاً.

وفي العاميةِ الخليجيةِ يسأل الناسُ عن بعضِهم بعضاً بقولهم: (وش لونك)، أي: ما لونُك؟ والمقصدُ كيف حالك. وأصلُها عراقيةٌ امتدَّت لتكونَ لغةً مستخدمةً في دول الخليج العربي كلها. ويُقال إنَّ سببَها أنَّ بغدادَ أصيبت في القرنِ السابعَ عشرَ بطاعونٍ، جعلَ المصابَ بالوباءِ يمرُّ بثلاثِ مراحلَ من المرض، أحدُها يكون لونُ جسِمه فيه أحمر والثاني أصفر، والثالث أزرق. ومن يتلوَّن بأول لونين يمكن أن يُشفى أما ثالث لون فمصيره الهلاك. ويدعو الناس للأولين بالسلامة والشفاء، وللأخير بالرَّحمة وحسنِ الخاتمة.

ومِن لطفِ اللهِ أن رفعَ البلاءَ وصرف الوباء. انتهى الطاعون، لكن التساؤل:( وشلونكم؟) بَقيَ لهجةً يُقصد بها السؤال عن عمومِ الحال.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

بيضٌ صنائعُنا بيضٌ صنائعُنا



GMT 21:15 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

لماذا لا يستأنف ترامب الحرب؟!

GMT 09:52 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

شاعر الرسائل

GMT 09:42 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

أيُّ الرِّجال المُهَذَّب؟!

GMT 09:36 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

هل سكت ناقوس 5 يونيو؟

GMT 09:34 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

هل يمكن السيطرة على قنبلة الذكاء الاصطناعي؟

GMT 09:32 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

مطار مدني تحت النيران

GMT 09:27 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

منتدى سان بطرسبرغ والمستقبل المستقر

GMT 07:53 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

من يصنع الوعى فى عصر المؤثرين؟

نانسي عجرم تخطف الأنظار بتصاميم نيكولا جبران في جولتها العالمية

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 06:48 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

تركي آل الشيخ يمازح ابراهيم فايق ومهيب عبد الهادي

GMT 01:35 2024 السبت ,16 تشرين الثاني / نوفمبر

سنغافورة نموذج عالمي لتحقيق جودة حياة وصحة مستدامة

GMT 12:44 2020 الجمعة ,25 كانون الأول / ديسمبر

صلاح يتخذ أولى الخطوات للرحيل عن ليفربول

GMT 14:18 2024 السبت ,13 كانون الثاني / يناير

من أي معدن سُكب هذا الدحدوح!

GMT 23:31 2021 الأحد ,19 أيلول / سبتمبر

نصائح الخبراء للعناية بالبشرة في المنزل

GMT 09:18 2020 السبت ,05 كانون الأول / ديسمبر

بيراميدز يخاطب نادي الزمالك لشراء نجمه

GMT 03:26 2020 الأربعاء ,14 تشرين الأول / أكتوبر

منتخب البرازيل المنتشي يتحدى طموح بيرو في تصفيات كأس العالم

GMT 16:13 2020 الخميس ,08 تشرين الأول / أكتوبر

الاتحاد الإيطالي يفرض العزل على منتخب الشباب تحت 21 عامًا

GMT 22:36 2017 الجمعة ,24 تشرين الثاني / نوفمبر

أحمد كرارة يستعد للمشاركة في مسلسل "فوق السحاب"

GMT 07:50 2017 الأحد ,01 تشرين الأول / أكتوبر

بلباو تحتفي بالذكرى الـ 20 لافتتاح متحف غوغنهايم

GMT 16:05 2023 الجمعة ,13 كانون الثاني / يناير

تسلا تقترب من الاتفاق علي إقامة مصنع سيارات في إندونيسيا

GMT 06:30 2022 الثلاثاء ,27 كانون الأول / ديسمبر

إصابة مدافع لايبزيج في الكاحل خلال عطلته في المالديف
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt