توقيت القاهرة المحلي 17:26:42 آخر تحديث
  مصر اليوم -

فَلَوْ كَانَ رُمْحاً وَاحِداً لَاتَّـقَيْتُهُ

  مصر اليوم -

فَلَوْ كَانَ رُمْحاً وَاحِداً لَاتَّـقَيْتُهُ

بقلم:تركي الدخيل

والقَاضِي أبُو بكرٍ بن العَرَبي (468 - 543 هـ = 1076 - 1148 م)، هو محمدٌ بنُ عبدِ الله بن محمدٍ المعافري، ولد بإشبيلية، ورحلَ إلى المَشرقِ، فأخَذَ عنْ أئمَّتِهَا وعُلمائِهَا، وبلغَ الاجتِهادَ. وُلِّيَ قضاءَ مِصرَ ثمَّ إشبِيليةَ، وَمَاتَ ودُفِنَ بفاس. وَصَفَهُ ابنُ بشكوَال بأنَّه «الحافظُ المُستَبحِر، ختامُ عُلماءِ الأندلسِ وآخِرُ أئمَّتِها وحُفَّاظِها»، وَقَالَ عنه المقرِي في (نَفْحُ الطّيب): «عَلَمُ الأعلام، الطَّاهرُ الأثْواب، البَاهِرُ الأبْوَاب، الذي أنسَى ذكاءَ إياس، وتركَ التقليدَ للقِيَاس؛ وأنتجَ الفَرعَ من الأصْلِ، وَغَدَا في الإسْلَامِ أمْضَى منَ النَّصْل»، وقالَ عنه الحِجَارِيّ: «لَو لمْ يُنسب إلَى إشبيليةَ إِلَّا هذَا الإمَامُ الجَليلُ لَكَانَ لهَا بهِ من الفَخرِ مَا يرجِعُ عنه الطَّرفُ وهوَ كَلِيل»، وَفي (سِمْط الجُمَان)، أنَّهُ « بحرُ العُلوم، وإمامُ كلّ مَحفوظٍ ومعلوم».

صَنَّفَ ابنُ العَربي فِي مختلفِ الفُنونِ، وكانَ مُتَعَدِّدَ المَوَاهِبِ، مُتَنَوِّعَ الإبْدَاعِ، فَبلغَ شأواً فِي المَنزلَةِ العِلميَّةِ الرَّفِيعَة، وشَهِدَ لهُ أهلُ المَشرِقِ وَالمَغرِب، فِي آنٍ، بِعُلُوِّ كَعْبِهِ، وَتَنَوُّعِ مَناحِي مَبَالغِ عِلمِهِ، حيثُ ضَربَ فِي كُلّ فنٍّ بِسهمٍ وَافٍ.

وَالحقّ أن تَضَلُّعَهُ يجعلُنَا نَقُولُ إنَّهُ لم يَضرِبْ في كُلِّ فَنٍ بسهمٍ، بل ضربَ في كلِّ فنٍّ بِرُمْحٍ، والأمرُ كَمَا قَالَ القَاضِي، نفسُه، في نَظْمِه بيتَ شِعرٍ مُشتَهِرٍ، قَلَّ مَن يعرف أنَّهُ لأبِي بكرٍ بنِ العَرَبيّ:

فَلَوْ كَانَ رُمْحاً وَاحِداً لَاتَّـقَيْتُهُ وَلَـكِنَّـهُ رُمْحٌ وَثَـانٍ وَثَـالِـثُ

«وهوَ الفقيهُ البصيرُ الذي جانَبَ التَّقليدَ والتَّزمُّتَ والعُكوفَ علَى ترديدِ كَلماتٍ بأعيانِهَا، المحدِّثُ المستنيرُ الذي يُعْمِلُ عقلَهُ وفكرَه فيما يقرأ أو يسمعُ، ويغوصُ على المعانِي الدِّقَاق المُسْتَكِنَّةِ في أطواءِ النَّصِّ الحديثيّ، المُفَسِّرُ المُقتَدِر الذي أعدّ العُدّة لعملِه في التَّفسير، من تضلُّع من لغةِ العربِ وأشعارِها وروائعِ نثرِها، الذي يمتازُ بإيجازِ اللفظِ وثراءِ المعنَى، الأديبُ الذي يغوص على المعنَى، ويفتنّ في التعبيرِ عنه واستخراجِ العبرةِ من مَطاويه، المُؤرخُ الذي يقارنُ بين الروايات، وَيَمِيزُ حقَّهَا من باطلِها، ولا يكتفي بإيرادِها ككثيرين، المُثقفُ الواسعُ الثقافةِ الذي لا يَقْصُرُ نَفْسَهُ على فنٍّ أو فنونٍ معدودة، وإنَّمَا يطوف بأرجائِها، ويقطفُ من ثمارِها، ما طابَ له التَّطْواف والقِطاف، المُتكلمُ الذي درسَ عيونَ كتبِ الكَلام، ونظرَ فيهَا نظراتٍ فاحصةً مستقلةً لا يعنيهَا إلا كشفُ الحقّ، ودحضُ الباطلِ الذي رانَ علَى كثيرٍ من أبحاثِ السَّابقين، واختيار الرَّأي النَّاضج الذي لا يتعارضُ مع حقائقِ الإِسلام»، كمَا كتبَ أستاذُ العلومِ الإسلامية بجامعةِ الجزائر، مُحمد السّليماني، الذِي حقَّق أكثرَ من كتابٍ للقاضي ابنِ العربي، رحمَهُ اللهُ، وباتَ من المختصّينَ في شَخصيةِ القاضِي وَعُلومِهِ وَمُصنَّفاتِه وفُنونِهِ.

في «أزهار الرّياضِ فِي أخبارِ القَاضِي عياض»، يقولُ المقرِي:

ومن صلابةِ الإمامِ أبي بكرٍ بنِ العَرَبيّ، أنَّه حَكَم في زَامِرٍ بثَقْبِ أشدَاقِهِ.

وَمنْ بديعِ نظمِهِ:

أَتَــتْــنِــي تُــؤنِّــبُــنــي بـالـبُـكَـا فــأهــلاً بــِهَــا وبـتَـأنـيـبـهَــا

تَـقـولُ وفـِي نـفـسِـهَا حـَسْــرَةٌ أتَـبـكِي بِــعـيـنٍ تـَرانِـي بـهَـا

فَقلتُ إذَا استَحْسَنَتْ غـيرَكمْ أَمَـرتُ جـفـونـِي بتعـذيبِـهَا

وَقالَ: دخلَ عليَّ ابنُ صارةَ، وبينَ يَدَيّ نارٌ قد علاهَا رَمادٌ، فقلتُ: لتقلْ فِي هذَا، فقالَ:

شَابَتْ نَوَاصِي النَّارِ بعدَ سَوَادِها وَتَسَتَّرَتْ عَنَّا بِثَوْبِ رَمَادِ

ثُمَّ قَالَ لِي ابنُ صارةَ: أَجِزْ. فقُلتُ:

شَابَتْ كَمَا شِـبْـنَـا وَزَالَ شَبَابُنَا فَـكَأَنَّـمَـا كُـنَّـا عَـلَـى مِـيْـعَـادِ

حكَى غيرُ واحدٍ أنَّ ابنَ العربيّ، بينما هو جالسٌ في مَحلِّ دَرْسِهِ، إذْ دخلَ شَابٌّ من المُلَثَّمِين وبيدِهِ رُمْحٌ، فَهَزَّهُ، فَقالَ القاضِي أبُو بَكرٍ:

يَهُزُّ عَلَيَّ الرُمْحَ ظَبْيٌ مُهَفَهَفُ لَـعُوْبٌ بِأَلْبَابِ البَرِيَّةِ عَابِثُ

فَلَوْ كَانَ رُمْحًا وَاحِدًا لَاتَّـقَيْتُهُ وَلَـكِنَّـهُ رُمْحٌ وَثَـانٍ وَثَـالِـثُ

قَالَ أبُو عبدِ اللهِ، غفرَ اللهُ لهُ: وَمَنْ حَكَمَ في الزَّامِرِ بذاكَ الحُكمِ، يتعَذَّرُ عَلَيَّ فَهْمُ أَنْ يكونَ قَالَ شِعْرَهُ السَّابِق نَسِيْباً، فِي شَابٍّ مُلَثَّمٍ، والله أعلم!

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

فَلَوْ كَانَ رُمْحاً وَاحِداً لَاتَّـقَيْتُهُ فَلَوْ كَانَ رُمْحاً وَاحِداً لَاتَّـقَيْتُهُ



GMT 10:41 2026 السبت ,14 شباط / فبراير

الأمس كان

GMT 10:39 2026 السبت ,14 شباط / فبراير

«لا» إسرائيلية لافتة بوجه ترمب

GMT 10:39 2026 السبت ,14 شباط / فبراير

البُكاءُ لا يَردُّ الأمواتَ!

GMT 10:37 2026 السبت ,14 شباط / فبراير

الطاهر الحداد... بين الثورة والمحنة

GMT 10:36 2026 السبت ,14 شباط / فبراير

تحت الشمس لمدة خمس عشرة دقيقة!

GMT 10:36 2026 السبت ,14 شباط / فبراير

الأوروبيون من أصول مهاجرة مختلفو الرؤى

GMT 10:35 2026 السبت ,14 شباط / فبراير

ماسك ــ ساغان... وإنقاذ الجنس البشري

GMT 10:34 2026 السبت ,14 شباط / فبراير

جبتك يا عبد المعين

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 09:31 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الميزان الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 11:00 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العقرب السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025

GMT 01:54 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

أغنياء المدينة ومدارس الفقراء

GMT 12:10 2026 الجمعة ,09 كانون الثاني / يناير

ألوان التراب تسحر إطلالات النجمات شتاء 2026

GMT 12:11 2023 الإثنين ,02 تشرين الأول / أكتوبر

الكتب الأكثر إقبالاً في معرض الرياض الدولي للكتاب

GMT 11:53 2026 الأحد ,04 كانون الثاني / يناير

جميل عازار وداعا

GMT 05:29 2021 السبت ,25 كانون الأول / ديسمبر

مفاجآت بشأن تجديد عقد بن شرقي مع الزمالك

GMT 06:50 2025 الأربعاء ,06 آب / أغسطس

أفكار ذكية لحمام أنيق في مساحة محدودة

GMT 14:18 2024 السبت ,13 كانون الثاني / يناير

من أي معدن سُكب هذا الدحدوح!

GMT 17:43 2020 السبت ,19 كانون الأول / ديسمبر

نيللي كريم تريند جوجل بعد احتفالها بعيد ميلادها

GMT 23:54 2017 الجمعة ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

جهاز الزمالك يعترض على قرارات حكم مباراة النصر

GMT 13:48 2021 السبت ,27 شباط / فبراير

ميسي يتبرع بحذاء خاص قبل مواجهة إشبيلية
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt