توقيت القاهرة المحلي 23:17:09 آخر تحديث
  مصر اليوم -

عُشَّاقُ المُتَنَبّي... وورثةُ جنائنِه!

  مصر اليوم -

عُشَّاقُ المُتَنَبّي وورثةُ جنائنِه

بقلم:تركي الدخيل

فِي رِحَابِ الأَدَبِ، حيثُ تتَجاوَرُ الحِكْمَةُ وَالطُّرفَةُ، ويَختلطُ السَّردُ بِالشّعْرِ، مَرَّ عَلينَا المَقَالُ البَهِيُّ لأستَاذِنَا الكَبِيرِ سَمير عطا الله، بِعُنوَان: «تلكَ هيَ الحِكاية»... مَقالٌ كَتبَهُ، كَمَا يُرسَلُ الطَّيف في ليلةٍ بَهيَّة، فأنَارَ ليلَ الذّكريَاتِ، وَسَلَكَ بِنَا مَسَالِكَ السَّردِ، مِنْ هُوميروسَ إلَى عَنتَرَةَ، وَمِنَ الحَارَةِ إلَى «المواسم»، ومِنِ اسْمِ المَولُودَةِ إلَى بَيْتِ المُتَنَبّي. وَفِي هَذَا التّيهِ الجَمِيلِ، أَشَارَ إليَّ بِوَصْفٍ لَطِيفٍ ظَرِيفٍ، قَالَ فِيهِ: «وإذَا مَا اعتبر حارسُ أوقاف المتنبي، السفير تركي الدخيل، أنَّنا في هذهِ الاستعارةِ اعتدينَا علَى مُروجِه التي يَغرف منهَا كلَّ أسبوع...». وإنّي، وَقَدْ وَقَفْتُ عِنْدَ هَذَا الوَصْفِ، لَا أمْلِكُ إلَّا أنْ أبْتَسِمَ. فَلَيْسَتِ الأَوقَافُ حِكْرًا، وَلَا مُروجُ المُتَنَبّي بِمِلْكِيَّةٍ لِأَحَدٍ. إنَّمَا نَحْنُ العَاشِقِينَ لَهَا، كَالرُّوَّادِ إلَى جَنَائِنَ مَفتُوحَةٍ، يَسْقِينَا المُتَنَبّي مِنْ بَيَانِهَا، وَيَغْتَسِلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا فِي مَاءِ قَرِيحَتِهَا، ثُمَّ يَخْرُجُ لِيَقْطِفَ مِنْ ثَمَرِهَا، مَا شَاءَ لَهُ ذَوْقُهُ، لَا مَا شَاءَ لَهُ أَحَدٌ سِوَاه. نَعَمْ، إنَّنِي لَا أُنْكِرُ أنّي طَالَمَا وَلَجْتُ «مُرُوجَهُ» مُبَكّرًا، وَتَأمَّلْتُ ظِلَالَهَا، وَجَلَسْتُ طَوِيلًا تَحْتَ أَشْجَارِهَا، لَكِنَّنِي، وَاللهِ، مَا كُنْتُ إلَّا وَاحِداً من الشَّادِينَ، لَا صَاحِبَ الحَدِيقَةِ، وَلَا حَارِسَهَا الّذِي يَصُدُّ أَحَداً... بَلْ لَعَلّي الدَّلِيلُ الّذِي يُرَحّبُ بِالزَّائِرينَ، ويُرْشِدُهُمْ إلَى كُنُوزِ هَذَا الإِرْثِ الشَّامِخِ. وَقَدْ أَشَرْتَ يَا أبَا شَادِي، إلَى أَبِي العَلَاءِ المَعَرّي، وَذَكَرْتَ كِتَابَهُ الشَّهِيرَ: «مُعْجز أحْمد». وَهَذَا لَعَمْرِي مِنْ تَمَامِ ثَقَافَتِكَ، وَمِنْ رَهَافَةِ إِشَارَتِكَ؛ إذْ لَا أَحَدَ أَنْصَفَ المُتَنَبّي - فِي عَصْرِهِ وَبَعْده - كَمَا أَنْصَفَهُ أَبُو العَلَاءِ. بَيْدَ أنَّ مِنْ وَاجِبِ العَارِفِ أنْ يُنَبّهَ رَفِيقَهُ - إنْ وَجَدَ مَوْضِعَ تَنْوِيهٍ - بِرِفْقٍ لَا يُشْبِهُ المُعَاتَبَةَ، بَلْ يُشْبِهُ الوَفَاءَ لِلنُّصُوصِ. فَكِتابُ «معجز أحمد»، كَمَا لَاحَظَ عَددٌ مِنَ البَاحِثِينَ، تُحيطُ بِهِ ظِلَالٌ مِنَ الشَّكِ فِي نِسْبَتِهِ إلَى المَعَرّي، وَمِنْ أَبرزِ مَنْ نَاقَشَ هَذَا الأَمرَ وَتَحَقَّقَ مِنْهُ، الدُّكتُور مُحمَّد العَزَّام، فِي مَقَالَاتٍ مُستَفِيضَةٍ، وَقَدْ ذَهَبَ إلَى أنَّ: «أسلوبَ الكِتابِ لَا يَتَّفقُ مَعَ أسْلُوبِ المَعَرّي فِي كُتُبِهِ الأُخْرَى، وَفِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأخِيرٌ لا يُناسِبُ ترتيبَهُ المَنطِقِيَّ، وبعضُهُ يُناقضُ مَا وَردَ فِي (اللّامع العزيزي)، ممَّا يُرجّحُ أنَّ نسبةَ الكتابِ للمَعرّي غيرُ مؤكَّدة».

وَمَعَ هذَا، فَإنَّ في المَعرّي ما يُغنِي عنْ كُلّ مُؤَلَّفٍ مَنْحُولٍ، و(اللامع العزيزي) شَاهدٌ عميقٌ علَى عَبقريتِه في قراءةِ المُتنبّي، بلْ لَعلَّه أكثرُ إنْصَافاً من كَثيرٍ ممَّن أتَوا بَعدَه. وأمَّا عن «جنائن المتنبي»، فَهيَ ـ وَاللهِ ـ لَا تُؤمّم، ولا تُحتكرُ، ولا تُقسّمُ، بل تُزرعُ وتُسقَى وتُثمرُ، وكلُّ من ارتوَى من مائِهَا، فهوَ مَدعوٌّ لأنْ يفيضَ من زلالِها عَلَى غَيرِه. فإنْ رأيتَنِي - يَا أبَا شَادِي - أُطِيلُ الوُقوفَ بَينَ أبيَاتِه، وأُكثِر التَّأمُّلَ في أروقَةِ دِيوانِهِ، فذَاكَ لأنّي كلَّمَا اقتربتُ منهُ، شَعرتُ أنَّنِي مَا زلتُ في أوَّلِ العَهْدِ بِهِ، وأنَّ بينِي وبينَه سَفراً طويلاً، لَا يَنتَهِي.

وَفِي خِتَامِ مَقالِكَ الجَميلِ، لمَّحْتَ إلَى خَتم الحِكاياتِ بِالفَرح، وَهَا أنَا ذَا أختمُ مَقَالِي بِالعِرفَانِ لكَ، وَلِلكِتَابَةِ الّتِي تُضِيءُ، وَلَا تُطفئُ، تَجمَعُ، لَا تُفرّقُ. سَلَامٌ عَليكَ أيُّهَا السَّارِدُ البَدِيعُ، يَا نَاثرَ الضَّوءِ فِي دَهَالِيزِ الذَّاكِرةِ... وَيَا شَادِيَ البَيَانِ، وَمُؤنِسَ الرَّكْبِ فِي طَرِيقِ الأَدَبِ.

وَهَكَذَا، فالّذِي يَقِفُ عَلَى بَابِ المُتَنَبّي، لَا لِيمنَعَ، بلْ لِيشْكُرَ الزَّائرَ، ويُرحّبَ بِالعَابرِ، ويَجمَعَ ما تَسَاقَطَ من وُرودِ القَصِيدَةِ فِي طَرِيقِ المُحِبّين.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عُشَّاقُ المُتَنَبّي وورثةُ جنائنِه عُشَّاقُ المُتَنَبّي وورثةُ جنائنِه



GMT 21:15 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

لماذا لا يستأنف ترامب الحرب؟!

GMT 09:52 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

شاعر الرسائل

GMT 09:42 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

أيُّ الرِّجال المُهَذَّب؟!

GMT 09:36 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

هل سكت ناقوس 5 يونيو؟

GMT 09:34 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

هل يمكن السيطرة على قنبلة الذكاء الاصطناعي؟

GMT 09:32 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

مطار مدني تحت النيران

GMT 09:27 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

منتدى سان بطرسبرغ والمستقبل المستقر

GMT 07:53 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

من يصنع الوعى فى عصر المؤثرين؟

نانسي عجرم تخطف الأنظار بتصاميم نيكولا جبران في جولتها العالمية

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 06:48 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

تركي آل الشيخ يمازح ابراهيم فايق ومهيب عبد الهادي

GMT 01:35 2024 السبت ,16 تشرين الثاني / نوفمبر

سنغافورة نموذج عالمي لتحقيق جودة حياة وصحة مستدامة

GMT 12:44 2020 الجمعة ,25 كانون الأول / ديسمبر

صلاح يتخذ أولى الخطوات للرحيل عن ليفربول

GMT 14:18 2024 السبت ,13 كانون الثاني / يناير

من أي معدن سُكب هذا الدحدوح!

GMT 23:31 2021 الأحد ,19 أيلول / سبتمبر

نصائح الخبراء للعناية بالبشرة في المنزل

GMT 09:18 2020 السبت ,05 كانون الأول / ديسمبر

بيراميدز يخاطب نادي الزمالك لشراء نجمه

GMT 03:26 2020 الأربعاء ,14 تشرين الأول / أكتوبر

منتخب البرازيل المنتشي يتحدى طموح بيرو في تصفيات كأس العالم

GMT 16:13 2020 الخميس ,08 تشرين الأول / أكتوبر

الاتحاد الإيطالي يفرض العزل على منتخب الشباب تحت 21 عامًا

GMT 22:36 2017 الجمعة ,24 تشرين الثاني / نوفمبر

أحمد كرارة يستعد للمشاركة في مسلسل "فوق السحاب"

GMT 07:50 2017 الأحد ,01 تشرين الأول / أكتوبر

بلباو تحتفي بالذكرى الـ 20 لافتتاح متحف غوغنهايم

GMT 16:05 2023 الجمعة ,13 كانون الثاني / يناير

تسلا تقترب من الاتفاق علي إقامة مصنع سيارات في إندونيسيا

GMT 06:30 2022 الثلاثاء ,27 كانون الأول / ديسمبر

إصابة مدافع لايبزيج في الكاحل خلال عطلته في المالديف
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt