توقيت القاهرة المحلي 01:13:36 آخر تحديث
  مصر اليوم -

زيارة لم تبدّد قلقَ نتنياهو

  مصر اليوم -

زيارة لم تبدّد قلقَ نتنياهو

بقلم:سام منسى

يتعذّر وصف زيارة بنيامين نتنياهو إلى واشنطن الأسبوع الماضي بالناجحة أو الفاشلة دون معرفة خبايا لم تُعلن عن الاجتماع مع الرئيس دونالد ترمب، ومن السذاجة أيضاً الاعتقاد أن التباينات، مهما بلغت، قد تخرب العلاقة المتينة بين الطرفين. هذا لا يمنع تصاعد قلق إسرائيل من المفاوضات الجارية مع إيران، لا لأن التفاوض بحد ذاته مفاجأة، بل لأن السياق الإقليمي والدولي الذي يجري فيه يضعها أمام معادلة حرجة: احتمال عودة الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وإيران بدعم إقليمي، في لحظة تشعر فيها بأن قدرتها على فرض مقاربتها الأمنية الأحادية تتآكل.

القلق الإسرائيلي لا يتركز فقط على مضمون أي اتفاق محتمل، بل على فكرة الاتفاق نفسها. فمنذ سنوات، بُنيت العقيدة الأمنية الإسرائيلية على منع إيران من التحول إلى قوة نووية كامنة أو «دولة عتبة»، وعلى إبقاء الملف الإيراني ضمن خانة التهديد الوجودي الذي يبرر سياسات الردع القصوى. أي مسار تفاوضي يعيد إدماج إيران تدريجياً في النظام الدولي تنظر إليه إسرائيل كأنه مس مباشر بهذه العقيدة، حتى لو تضمن قيوداً على البرنامج النووي.

تجربة الاتفاق النووي لعام 2015 لا تزال حاضرة بقوة في الوعي السياسي الإسرائيلي. بالنسبة لتل أبيب، لم يُنهِ الاتفاق الخطر بل أجّله، وسمح لإيران بالتقاط أنفاسها اقتصادياً وسياسياً من دون معالجة سلوكها الإقليمي أو برامجها الصاروخية. اليوم، تخشى إسرائيل حدوث سيناريو مشابه يخفف الضغوط الاقتصادية عن إيران ويتيح لها إعادة تنظيم نفوذها الإقليمي، في ظل رغبة أميركية لصفقة تخفض التوتر وتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مفتوحة.

والقلق الإسرائيلي لا يتعلق بإيران وحدها، بل بالتحول في المقاربة الأميركية نفسها. فالمفاوضات تعكس توجهاً أوسع في واشنطن نحو إدارة الصراعات بدل حسمها، وتفضيل التسويات المرحلية على المواجهات المفتوحة. هذا المنطق يتعارض مع الرؤية الإسرائيلية القائمة على الضغط المستمر والردع العسكري ومنع الخصم من إعادة التموضع. لذلك، أي تقارب أميركي - إيراني يُقرأ في تل أبيب كأنه إشارة إلى تراجع الاستعداد الأميركي لاعتماد الخطوط الحمراء الإسرائيلية بوصفها مرجعية مطلقة.

يضاف إلى ذلك تباين مواقف الدول العربية التي لا تشارك إسرائيل مستوى القلق نفسه إزاء المفاوضات، إذ يرى عدد منها أنها وسيلة لخفض منسوب التوتر الإقليمي، لا أنها تهديد مباشر لأمنه واستقراره. في ظل أولويات عربية باتت تركز على الاستقرار الاقتصادي، وجذب الاستثمارات، وضبط المخاطر.

مع مقاربة أميركية لا تأخذ بالكامل الهواجس الإسرائيلية بالاعتبار، وفي ظل واقع إقليمي جديد يتميز بعلاقات تطبيعية قائمة مع البعض دون أن تتحول تلقائياً إلى تحالفات استراتيجية صلبة عند كل منعطف أمني، يتعمق قلق إسرائيل ليتجاوز مضمون المفاوضات ويطول موقعها في المعادلة الإقليمية والدولية. تل أبيب التي اعتادت لعب دور الطرف المُقرر في ملفات الأمن والردع، تجد نفسها اليوم أسيرة توازنات لا تتحكم فيها وحدها، وأمام مسار تفاوضي يُدار فوقها ولا تسيطر على إيقاعه، حتى يبدو القلق في كثير من الأحيان تعبيراً عن فقدان السيطرة.

ومع تفاقم الانقسام السياسي والمجتمعي، يبرز البُعد الداخلي الإسرائيلي في تفسير القلق من مسار المفاوضات إذ باتت المخاوف منها انعكاساً لأزمة داخلية بقدر ما هي هواجس أمنية. في هذا السياق، تعيد حكومة نتنياهو توظيف «الخطر الإيراني» لإنتاج حد أدنى من الإجماع وتأجيل الخلافات حول القيادة ومستقبل النظام السياسي، في سلوك يكشف مأزقاً بنيوياً: حكومة تكتفي بإدارة مناخ القلق وتغذيته سياسياً بدل بلورة رؤية استراتيجية طويلة الأمد للتعامل مع التحولات الإقليمية.

هل تملك إسرائيل بدائل فعلية عن سياسة القلق والتصعيد؟ تبدو الخيارات محدودة: فالحرب كما يفضلها نتنياهو تكلفتها باهظة وتبدو غير مرجحة، والضغط السياسي على واشنطن له سقوفه، والرهان على جبهة إقليمية موحدة يتآكل.

غير أن ضيق البدائل لن يغير سياسة نتنياهو القائمة على معادلة بسيطة: إما تسويات تصاغ وفق توقيته وعلى قياس حساباته السياسية والشخصية، وإما الحلول الرمادية: إنهاك «حماس» دون القضاء عليها، وتقويض قدرات «حزب الله» وتركه قادراً على زعزعة استقرار لبنان، وتقليم أظافر إيران دون نزعها من المعادلة الإقليمية.

في ظل هذه المعطيات، قد يسعى نتنياهو إلى دفع واشنطن نحو صيغة وسط: إبرام اتفاق يركز على الأنشطة النووية بما يمنح ترمب إنجازاً يريده ومخرجاً من الحرب، مقابل هامش أوسع لإسرائيل للتحرك عسكرياً ضد الصواريخ والأذرع الإيرانية المحيطة بها. أي تسوية مؤقتة ترضي الطرفين لكنها تؤجل الإشكال بدل حسمه.

بالمحصلة، القلق حالة دفاعية تستثمر لكنه لا يشكل سياسة ولا استراتيجية بديلة تواكب التحولات المتسارعة، ما يبدده هو الأمر الذي ترفضه إسرائيل: انخراطها في سلام إقليمي شامل ودائم، والقبول بالعيش إلى جانب كيان فلسطيني مستقل يعيد للفلسطينيين بعضاً من حقوقهم.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

زيارة لم تبدّد قلقَ نتنياهو زيارة لم تبدّد قلقَ نتنياهو



GMT 08:11 2026 الخميس ,11 حزيران / يونيو

“إنّ من الحبّ “الإيراني” ما قتل”

GMT 08:06 2026 الخميس ,11 حزيران / يونيو

صور والبرابرة

GMT 08:00 2026 الخميس ,11 حزيران / يونيو

العقرب الإيراني والأخطبوط الأوكراني

GMT 07:53 2026 الخميس ,11 حزيران / يونيو

كيف تتحول جرائم فردية إلى وقود للكراهية؟

GMT 07:51 2026 الخميس ,11 حزيران / يونيو

التقنية والإنسان... سجالات الإدراك والوعي

GMT 07:45 2026 الخميس ,11 حزيران / يونيو

ابنة الملك خوفو... بريئة!

GMT 07:41 2026 الخميس ,11 حزيران / يونيو

عودة «القوة الناعمة»

إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - مصر اليوم

GMT 01:02 2026 الجمعة ,12 حزيران / يونيو

منى زكي تُقاضي فتاة نشرت صوراً مسيئة لها
  مصر اليوم - منى زكي تُقاضي فتاة نشرت صوراً مسيئة لها

GMT 10:57 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025

GMT 08:55 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 11:50 2024 الجمعة ,04 تشرين الأول / أكتوبر

المصري يعلن رسمياً تعاقده مع محمد مخلوف لاعب الإسماعيلي

GMT 01:16 2017 الإثنين ,25 كانون الأول / ديسمبر

عدلي القيعي يوضح حقيقة الخلاف بينه وبين عبد الشافي

GMT 10:23 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

محشي الملفوف على الطريقة الشرقية

GMT 20:15 2025 الثلاثاء ,14 تشرين الأول / أكتوبر

فيفا يختار 3 حكام مصريين لكأس العرب 2025 في قطر

GMT 11:06 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الجدي السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025

GMT 09:24 2023 الخميس ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

نجوى إبراهيم تكشف كيف تظهر بصحة جيدة رغم محاربتها المرض

GMT 00:04 2023 الثلاثاء ,21 شباط / فبراير

مصر تعلن عن هزة أرضية شمال رفح

GMT 16:52 2021 الجمعة ,24 أيلول / سبتمبر

300 عرض مسرحي في مسابقات مهرجان شرم الشيخ الدولي
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt