بقلم : سام منسى
بينَ التَّحذيرِ الفرنسي من اقتراب لبنانَ من حافة السُّقوط، والحربِ الداخلية والخارجيةِ عليه، واستمرارِ أزمته الاقتصادية والسياسية، ينحصرُ النقاشُ اللبناني في كيفية تجنب الانهيار أو إدارة الأزمات المتراكمة. غير أن السؤال الأهم ربما لا يتعلق فقط بقدرة لبنان على النجاة، بل بموقعه في منطقة تعاد صياغة توازناتها وأولوياتها بوتيرة غير مسبوقة. تناولنا في مقال سابق بعنوان «لبنان والسلام كاشف المثالب»، ما يحتاج إليه البلد داخلياً لاستعادة الدولة والسيادة والمؤسسات، لكن أي إصلاح داخلي يبقى ناقصاً إذا لم يقترن بمعرفة أي دور يمكن للبنان أن يؤديَه في الشرق الأوسط الذي يتشكل من حوله على أسس مختلفة عن تلك التي عرفها خلال العقود الماضية.
لمرحلةٍ طويلة من تاريخه الحديث، استمدَّ لبنانُ أهميتَه من مجموعة من الوظائف جعلته رائداً في محيطه. فقد كان مركزاً مالياً ومصرفياً إقليمياً ومنصةً إعلاميةً وثقافية عربية وملتقى للتعليم والجامعات والنشر وساحة للتوازنات العربية - الدولية، كما شكَّل مساحةً للتفاعل بين الشرق والغرب وللتعددية السياسية والفكرية في منطقة غلبت عليها أنظمةٌ عسكرية متشددة. وبصرفِ النظر عن نجاح هذه التجربة أو إخفاقاتها، فقد منحت لبنانَ مكانة تجاوزت حجمَه الجغرافي والديمغرافي.
إلا أنَّ معظم هذه الوظائف تعرَّض للتآكل خلال العقود الأخيرة. فالقطاع المصرفي الذي شكَّل أحدَ أعمدة الاقتصاد اللبناني انهار وتراجعت القدرة على جذب الاستثمارات، فيما انتقلت أدوار إعلامية وثقافية وتعليمية كثيرة إلى مراكزَ عربية أخرى تمتلك استقراراً سياسياً وموارد أكبر. كذلك، لم يعد لبنان يحتكر دوره التقليدي بوصفه جسراً بين الشرق والغرب في عالم بات أكثر انفتاحاً وترابطاً وأقل حاجة إلى الوسطاء التقليديين.
مقابل هذه التحولات التي شهدها لبنان، دخل الشرق الأوسط مرحلة مختلفة عن تلك التي سادت منذ نهاية الحرب الباردة وحتى السنوات الأخيرة. فبعد عقود من الصراعات الآيديولوجية والحروب بالوكالة والاستقطابات الحادة، اتجهت دول رئيسية في المنطقة، خصوصاً دول الخليج التي تسعى إلى تكريس دورها بوصفها مراكزَ اقتصادية واستثمارية عالمية، نحو أولويات جديدة تتمحور حول التنمية الاقتصادية وجذب الاستثمارات والتكنولوجيا والطاقة والربط التجاري وبناء الشراكات الإقليمية والدولية. وفي الوقت نفسه، تشهد المنطقة إعادة تموضع واسعة تشمل سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد، وإيران التي تواجه ضغوطاً غير مسبوقة، وتداعيات ذلك على أذرعها وفي مقدمة ذلك «حزب الله».
وسط هذه الوقائع هل ما زال الشرقُ الأوسط الجديد يحتاج إلى لبنانَ بالشكل الذي عرفه خلال القرن الماضي؟ التحدي اليوم أمام لبنانَ يتمثل في تحديد موقعه داخل منظومة إقليمية جديدة تغيّرت أولوياتها وقواعد عملها ولم تعد تبحث بالضرورة عن الأدوار القديمة التي لعبها. فما الذي يمكن للبنان أن يقدمه اليوم لشرق أوسط يتجه نحو الاقتصاد والتكنولوجيا والاستقرار أكثر مما يتجه نحو الأدوار التقليدية التي صنعت مكانته في الماضي؟
لم يفقد لبنان كل عناصر قوته. فميزته الأساسية لم تكن يوماً اقتصادية فقط، بل أيضاً في قدرته على إنتاج مساحة من التعددية والانفتاح والتفاعل الثقافي والفكري يصعب العثور على مثيل لها في المنطقة مع كل التغييرات التي شهدتها. فرغم كل شيء، لا يزال لبنانُ يمتلك رأسمالاً بشرياً متقدماً وانتشاراً واسعاً لجالياته في العالم وإرثاً تعليمياً وثقافياً مميزاً وقدرة على التفاعل مع بيئات وثقافات مختلفة، وتعددية اجتماعية ولغوية نادرة، فضلاً عن قطاع خاص مرن وخبرات متراكمة في مجالات التعليم والاستشفاء والخدمات والاقتصاد المعرفي. وكلها عناصر توفر له قاعدة يمكن الانطلاق منها لإعادة بلورة دوره ومكانته في المنطقة سياسياً واقتصادياً وثقافياً.
وإلى جانب موارده البشرية، لا يزال لبنان يمتلك موقعاً جيوسياسياً يمنحه فرصاً للانخراط في شبكات الربط الاقتصادي والتجاري الإقليمية، كما يمكنه أن يؤدي دوراً دبلوماسياً وحوارياً يستند إلى خبرته التاريخية في إدارة التنوع، في منطقة لا تزال تبحث عن صيغ أكثر استقراراً للتعايش والشراكة بين مكوناتها المختلفة. فإذا نجح لبنان في إعادة بناء دولته، فقد تتاح له فرصة إعادة تموضعه بوصفه مركزاً للكفاءات والعقول الخلّاقة، ومنصةً للانفتاح والتبادل الفكري والثقافي، ومساحةً للحوار والتفاعل بين مجتمعات متعددة.
إنَّ الدول لا تحافظ على أهميتها بالحنين إلى أدوار الماضي أو بمحاولة تجميد التاريخ عند لحظة معينة، بل بقدرتها على قراءة التحولات والتكيف معها وصناعة وظائف جديدة. لعلَّ الامتحان الذي يقف لبنان أمامه اليوم ليس امتحان البقاء فقط أو العودة إلى ما كان عليه بل امتحان إيجاد مبرر جديد لأهميته في المنطقة، وتقديم قيمة لا يستطيع الآخرون تقديمها واكتشاف موقع جديد يتناسب مع التحولات الجارية. لكن السؤال الأعمق ربما هو: هل يحتاج لبنان أصلاً إلى دور استثنائي جديد؟ فقد يكون التحدي الحقيقي للمرة الأولى منذ نشوء الكيان هو الانتقال من منطق «الرسالة»، و«الاستثناء» إلى منطق الدولة الطبيعية: دولة مستقرة وفاعلة ومندمجة في محيطها وقادرة على تحويل طاقات أبنائها إلى قيمة مضافة.