توقيت القاهرة المحلي 12:05:38 آخر تحديث
  مصر اليوم -

لبنان ومخاطر الإدارة المجتزأة

  مصر اليوم -

لبنان ومخاطر الإدارة المجتزأة

بقلم:سام منسى

افتتاح «حزب الله» مجمعاً سكنياً مسوراً قرب الهرمل في البقاع الشمالي يضم 228 وحدة أسمنتية مع مرافق وخدمات قد يعدّه البعض تفصيلاً هامشياً قياساً بحجم المشكلات التي يعانيها لبنان، من الحرب مع إسرائيل إلى سلاح «حزب الله» وأموال المودعين الضائعة وغيرها. مجمع الهرمل لا يمكن قراءته بوصفه تفصيلاً اجتماعياً أو إنسانياً عابراً، بقدر ما هو فعل سياسي – أمني بامتياز.

أول ما يكشفه هذا الموضوع هو قصور مقاربة السلطة اللبنانية لمعضلة «حزب الله» بعامة، وتركيزها على جانب السلاح فقط دون الوعي الشامل لدوره الإشكالي في الحياة السياسية والأمنية والاجتماعية وأبعاده الإقليمية، بما يفرض عليها مواجهته بموقف سياسي صريح لا الاكتفاء بلوجستية احتواء السلاح أو حصريته.

فالحزب يتصرف كسلطة موازية: يخطط عمرانياً، يدير ما يصفه بالنزوح، ينظم الدخول والخروج ويؤمّن الكهرباء والمياه والأمن، من دون المرور بأي من القنوات القانونية والمؤسساتية من حكومة ووزارات مختصة وبلديات وأجهزة شرعية. هذا الواقع يفضح اختزال النقاش الدائر بين السلطة والحزب حول مفهوم «السيادة» مع حصره بالسلاح، بينما تُستبعد منه سيادة الدولة على الأرض والحدود وتنظيم المجتمع. فكما تحتكر الدولة السلاح، ينبغي أن تملك قرار الأرض والحدود وتنظيم المجتمع. الجدل حول ما إذا كانت الأرض ملكاً عاماً أم خاصاً، أو ما إذا كانت الدولة «استُشيرت»، يظل هامشياً أمام جوهر المشكلة وما تنطوي عليه من اختلالات مرشحة لتوليد أزمات ونزاعات لاحقة.

الأخطر فيما يجري أنه يتجاوز البعد الإسكاني ليشكل أداة لإعادة هندسة اجتماعية صامتة. فحين يُشيَّد مجمع سكني ملاصق لحدود حساسة ومتفلتة بقرار حزبي، ويقيم فيه مواطنون سوريون من معارضي النظام الجديد، لا كما يُروَّج عن كونه مأوى لسكان قرى لبنانية مهجرة، فإن ما يُفرض ليس حلاً إسكانياً ظرفياً، بل واقع سكاني وأمني منظم، مرتبط بشبكات تمويل وخدمات خارج الدولة، يجعل تفكيكه لاحقاً مكلفاً سياسياً وأمنياً، إن لم يكن شبه مستحيل. وعليه، تتحول أي محاولة لاحقة لاستعادة القرار السيادي ومعالجة هذه القنبلة الموقوتة مواجهةً اجتماعية مُسبقة التسييس، تُسوَّق على أنها استهداف لـ«طائفة» لا بوصفها تطبيقاً للقانون.

تتفاقم المخاطر مع تضارب الروايات بشأن الجهات الممولة، وسط معلومات عن تمويل عراقي يفتح الباب أمام تعقيدات أمنية وسياسية، لا سيما في ظل هشاشة ضبط الحدود الشرقية وحساسية العلاقة مع السلطة السورية الجديدة. في هذا السياق، يصبح تولي جهة حزبية تنظيم ما يوصف بالنزوح وتمويله وحراسته آلية لإعادة إنتاج أهداف غير معلنة، وإن كانت لا تنفصل عمّا يُتداول حول محاولات إعادة تمكين الحزب ومنظومته عبر اقتصاد سياسي موازٍ: خدمات مقابل ولاء، حماية مقابل صمت، وشرعية اجتماعية بديلاً عن الشرعية الدستورية.

يتقاطع النقاش حول المجمع مع مسار نزع سلاح الحزب جنوب الليطاني وغموض مصير هذا السلاح شماله. فقد أعلن رئيس الحكومة نواف سلام قرب استكمال نزع السلاح جنوب الليطاني، لكن السؤال الجوهري يبقى: ماذا يعني هذا «الإنجاز» إذا بقي السلاح شمال الليطاني خارج أي مسار زمني أو سياسي واضح؟ وكيف يمكن التعويل على جدية تطبيق مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة والشروع بالمرحلة الثانية، في حين يواصل الحزب بالتوازي توسيع وظائفه شبه الدولتية، من بناء تجمعات سكنية مقفلة، إلى إدارة ما يُسمى نزوحاً، وصولاً إلى الإمساك بمفاصل اجتماعية وأمنية أساسية خارج أي رقابة أو مساءلة؟

في ضوء هذا التناقض بين الخطاب والممارسة، تتكشف مفارقة المفاوضات الجارية مع إسرائيل. فالتركيز ينحصر بضبط الجبهة الجنوبية وتأمين الحدود، بينما يُدار الداخل اللبناني وفق «الطريقة اللبنانية»، أي عبر تسويات مؤقتة تُرحل الأزمة بدلاً من معالجتها. تبدو هذه المفاوضات، في جوهرها، إدارة مجتزأة للنزاع مع إسرائيل و«حزب الله» معاً: ما يكفي لتهدئة الحدود، وما لا يكفي لقيام الدولة. لم يعد الاستقرار يعني قيام سلطة واحدة تحتكر القرار والسلاح والخدمات، بل بات يُختزل في غياب الانفجار. ومن هنا، يتجاوز النقاش «حزب الله» ليطول نموذج الحكم نفسه، حيث يجري الانتقال من دولة، ولو ضعيفة، إلى نظام سلطات متوازية تستمد شرعيتها من قدرتها على الإدارة لا من القانون. السلاح لم يعد جوهر المشكلة، بل السلطة التي تدير الاجتماع قبل أن تملك الأرض؛ ما يجعل أي مقاربة تركز على السلاح وحده معالجة للأعراض لا للمرض.

في الخلاصة، لا يمكن فصل مجمع الهرمل عن المسار التفاوضي الجاري ولا عن التركيز الدولي على الحدود الجنوبية مع إسرائيل بغية تأمينها وترك لبنان عالقاً بين سلطة فعلية ودولة شكلية، مقايضة واضحة: استقرار إقليمي مقابل تعليق الدولة اللبنانية. أما إذا كان الهدف قيام دولة، فالسؤال يصبح أكثر إحراجاً: هل يُسمح لهذه الدولة أن تمارس سيادتها كاملة، أم يُكتفى بإدارتها كمساحة أزمات مضبوطة مرشحة للانفجار؟ إلى أن يُحسم هذا السؤال، سيبقى لبنان أسير الدائرة المقفلة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

لبنان ومخاطر الإدارة المجتزأة لبنان ومخاطر الإدارة المجتزأة



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 18:53 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج العقرب الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:39 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الثور الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:59 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الدلو الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:36 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الحمل الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:56 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الجدي الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 19:01 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الحوت الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 07:17 2025 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

قمة الثبات العربي والإسلامي

GMT 05:07 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج القوس الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 05:13 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الجدي الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 05:01 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الأسد الميزان 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 04:24 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الثور الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 18:54 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج القوس الخميس 06 أغسطس/ آب 2026
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt