توقيت القاهرة المحلي 17:51:49 آخر تحديث
  مصر اليوم -

لبنان و«العيش داخل كذبة»

  مصر اليوم -

لبنان و«العيش داخل كذبة»

بقلم:سام منسى

في لحظة إقليمية ودولية بالغة الاضطراب، حيث يُعاد تفكيك القواعد التي حكمت النظام الدولي، يُطلّ الأمين العام لـ«حزب الله»، نعيم قاسم، بتصريح لا يحتمل التأويل: «لبيك خامنئي»، معلناً مجدداً أن مرجعيته الأساسية هي إيران، وأن حزبه مستعد للقيام بكل ما يلزم، حتى الانخراط في حرب إسناد ثانية؛ للدفاع عنها في مواجهة أي تهديد. موقف سياسي وإعلان اصطفاف، ينقلان لبنان من خانة الدولة الساعية إلى استعادة سيادتها، إلى موقع الساحة المفتوحة، في صراع إقليمي لا قرار له فيه.

يتحير المرء في مقاربة كلام قاسم... هل يعكس الموقف الفعلي لـ«الحزب» وراعيه الإيراني، أم باتت مهمة هذا الرجل دعائية لشد عصب البيئة الحاضنة؟ يصعب أخذ كلامه على محمل الجد في هذا الوقت، خصوصاً بعد خسائر حزبه ومحوره المدوية، وفيما يشهد العالم توتراً أميركياً - أوروبياً غير مسبوق، مع محاولات الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، إعادة تعريف السيادة والتحالفات، ودخول غزة مرحلة رمادية بين الحرب والتسوية، وخروج سوريا من نظامٍ دون أن تبلغ بعدُ عتبة الاستقرار، فيما تتصاعد الضغوط على إيران داخلياً وخارجياً.

وسط كل هذا، ومع محاولة لبنان، بشق الأنفس، إقناع العالم بأنه عاد إلى منطق الدولة لا منطق الميليشيا، يأتي تصريح قاسم لينقضَ هذا المسار ويُسقط آخر أوراق الالتباس التي استخدمها «الحزب» سنوات... فالحرب التي جُرّ إليها لبنان سابقاً قُدمت تحت عنوان «المساندة والمشاغلة» دفاعاً عن غزة أولاً، وحماية للبنان ثانياً. أما اليوم، فلا فلسطين في الخطاب، ولا حتى محاولة للتغطية الأخلاقية. الدفاع بات صريحاً عن النظام الإيراني، مهما كانت التكلفة على لبنان. بهذا المعنى، ينتقل «حزب الله» من موقع الفاعل المحلي ذي الارتباط الخارجي، إلى موقع الوكيل المعلَن لدولة أخرى.

هذه الواقعة تكشف عن حقيقتين، الأولى أن هذا الموقف يؤكد أنه لا مجال ولا معنى لأي حوار مع «الحزب» بشأن أي موضوع، خصوصاً جدوى سلاحه أو وظيفته. فالسلاح لم يعد، حتى في الخطاب، أداة ردع أو حماية للبنان، بل أداة جاهزة للاستخدام في معركة تتجاوز حدوده ومصالح شعبه.

والثانية أنه يأتي في لحظة لبنانية استثنائية، وربما نادرة في تاريخ الانهيار الطويل؛ فلأول مرة منذ سنوات، تحاول الدولة اللبنانية، ولو بالكلام، برئاستها وحكومتها ومؤسساتها العسكرية، أن تستعيد خطاباً سيادياً، وتعيد وصل ما انقطع مع المجتمع الدولي والعالم العربي، وإقناع العواصم المؤثرة بأن لبنان لم يعد رهينة قرار أمني خارجها. وتالياً، لا يُقرأ كلام قاسم بوصفه موقفاً حزبياً معزولاً، بل بصفته ضربة مباشرة لهذا المسار الهش؛ تُبدد الثقة قبل أن تتكوّن، وتُفقد لبنان لحظة قد لا تتكرر لإعادة التموضع بصفته دولةً لا ساحة. فالخطر لا يكمن فقط في حرب محتملة، بل في تقويض فرص الإنقاذ السياسي والاقتصادي. فكيف يمكن للبنان إقناع المجتمع الدولي بأنه يسير نحو استعادة احتكار استخدام القوة، فيما أحد مكوناته المسلحة يؤكد جهاراً أن ولاءه وقراره خارج الحدود؟

ما الذي يسمح لـ«الحزب» بأن يصطفّ في حربٍ حتى أميركا بجبروتها تتريث قبل خوضها؛ ليس عجزاً أو خوفاً من إيران، بل من النتائج المحتملة؟ الإجابة المرجحة ليست قدرات «الحزب» مهما بلغت ترسانته المتبقية، بل اعتماده على احتكار تمثيله الشيعة. ما يسعى إليه قاسم وحزبه، وربما إيران، هو التعويض بأثمان سياسية يحصدها «الحزب» وجمهوره على حساب باقي أبناء الطائفة.

وهنا يُطرح سؤال مسكوت عنه داخل البيئة الشيعية نفسها: هل الدفاع عن النظام الإيراني مصلحة شيعة لبنان الذين دفعوا أثماناً في حروب سابقة؛ أم إنهم يُدفعون مجدداً إلى موقع المتراس فيما تتآكل مقومات عيشهم ويفقدون ما تبقى من أمان اجتماعي واقتصادي؟ هذه البيئة، مهددة بأن تتحول من جديد إلى وقود في صراع إقليمي لا تملك قراره ولا تجني ثماره.

المسألة في النهاية لم تعد خلافاً سياسياً أو آيديولوجياً؛ إنما أصبحت سؤالاً عمّن يقرر مصير الشيعة ولبنان بعامة: الدولة ومؤسساتها، أم حزب يعلن صراحة أن بوصلته ومرجعيته خارجية؟ الغرابة والخطورة تكمنان في إغضاء الشيعة خصوصاً واللبنانيين عموماً عما يجري، واستمرار تحملهم وزر مغامرات جديدة وممارسات تستخف بحياتهم ومستقبل أبنائهم.

صحيح أن لبنان سبق أن تجاوز حروباً وأزمات كثيرة، إنما هذه المرحلة مختلفة دولياً وإقليمياً، ولا مؤشرات على متغيرات قريبة. فكيف يمكن تجنيب لبنان، بكل طوائفه، مخاطر مرحلة دولية جديدة تُقاس فيها الدول بقدرتها على ضبط أراضيها والتحكم في قرارها السيادي، في عالم يعيد ترمب صياغته بمنطق التفاوض من موقع القوة والنفوذ؟ العبرة للبنانيين؛ مسؤولين ومواطنين، لا سيما الشيعة، هي التخلي عن الأوهام وعن «العيش داخل كذبة» اسمها قدرات «حزب الله». نستعيد في هذا السياق ما قاله رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، في دافوس: «قوة النظام لا تأتي من حقيقته؛ بل من استعداد الجميع للتصرف كأنه حقيقي».

بين استعادة الدولة والانزلاق مجدداً إلى منطق الوكالة؛ ما عاد الخيار قابلاً للتأجيل أو للمناورة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

لبنان و«العيش داخل كذبة» لبنان و«العيش داخل كذبة»



GMT 06:40 2026 الإثنين ,27 إبريل / نيسان

تأثير إلغاء الرسوم الجمركية

GMT 06:38 2026 الإثنين ,27 إبريل / نيسان

هرمز والعقوبات التى سقطت

GMT 06:36 2026 الإثنين ,27 إبريل / نيسان

مشهد واشنطن هيلتون

GMT 06:34 2026 الإثنين ,27 إبريل / نيسان

النصر الساحق

GMT 06:32 2026 الإثنين ,27 إبريل / نيسان

حقيقية أم تمثيلية؟

GMT 06:30 2026 الإثنين ,27 إبريل / نيسان

النظام الشرق أوسطى!

GMT 06:29 2026 الإثنين ,27 إبريل / نيسان

سيناء تاج مصر

GMT 06:27 2026 الإثنين ,27 إبريل / نيسان

فلسطين فى السينما

نانسي عجرم وأنغام تتصدران موضة إطلالات السهرة اللامعة

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 04:33 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

مرسيدس تكشف الستار عن C-Class موديل 2027الجديدة كلياً

GMT 11:46 2018 السبت ,27 تشرين الأول / أكتوبر

محمد صلاح يقود نادي "ليفربول" ضد "كارديف سيتي" السبت

GMT 14:11 2020 الجمعة ,10 إبريل / نيسان

تثق بنفسك وتشرق بجاذبية شديدة

GMT 22:31 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج العذراء الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 18:46 2017 الأربعاء ,21 حزيران / يونيو

دار Blancheur تعلن عن عرض مميز لأزياء المحجبات في لندن

GMT 22:14 2015 الأربعاء ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

مقتل فتاة شابة على يد شقيقها وعمها وأبناء عمومتها في الفيوم
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt