توقيت القاهرة المحلي 14:16:08 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الضربة الاستباقية باب السلام أم الصراع المتحوّل؟

  مصر اليوم -

الضربة الاستباقية باب السلام أم الصراع المتحوّل

بقلم:سام منسى

بين التفاوض مع إيران وضربها عسكرياً الغلبة كانت للضربة، والاندفاعة الإسرائيلية سبقت التريث الأميركي. تقف المنطقة على أعتاب مرحلة انتقالية قد تعيد تشكيل موازين القوى التي حكمتها منذ عام 1979. لم يعد السؤال المطروح اليوم في الشرق الأوسط ما إذا كانت إيران ستتغير، بل كيف ومتى، وبأي تكلفة، وما الذي سيلي هذا التغيير. هذا التحول، إذا تحقق، فلن يطرح فقط مسألة انحسار الدور الإيراني، بل سيثير سؤالاً موازياً: هل سيفتح باب السلام، أو سيعيد إنتاج الصراع بأدوات جديدة؟

وعلى وقع القصف يبقى التريث الأميركي خياراً استراتيجياً مدروساً، لا تعبيراً عن ضعف وارتباك؛ فالإدارة الأميركية تخشى أن تكون أي مواجهة مباشرة مع إيران واسعة ومكلفة عسكرياً وسياسياً، خصوصاً في ظل حساسية الرأي العام قبيل الانتخابات، وتصاعد منسوب التجاذبات الداخلية التي لا تبشر بالخير. وصدقت الوسائل الإعلامية بشأن النقاشات في واشنطن التي تناولت سيناريو تفضيل أن توجه إسرائيل الضربة الأولى وهو ما حصل يوم أول من أمس السبت، بحيث يؤدي الرد الإيراني المحتمل إلى خلق بيئة سياسية داخلية تسمح بتوسيع التدخل لاحقاً. هذه المقاربة، إن صحت، تعكس محاولة إدارة المخاطر بدل الاندفاع إلى الحرب.

وعلى الرغم من الضربة الاستباقية، فستظل المفاوضات المسار الأقل تكلفة والأكثر قابلية للإدارة. وثمة اعتبارات أوسع؛ فواشنطن تتجنب الانخراط في حرب استنزاف في الشرق الأوسط قد تستهلك قدراتها العسكرية واللوجيستية في وقت تتصاعد فيه المنافسة مع الصين واحتمالات التصعيد بشأن تايوان، كما أن انتشار القوات والمصالح الأميركية في المنطقة يجعل أي رد إيراني شاملاً ومكلفاً، سواء عبر استهداف القواعد أو الملاحة أو الطاقة أو الحلفاء؛ فالمحادثات العلنية الجارية أو السرية تركز على الملف النووي، وترتبط أيضاً بملفات أوسع تشمل الصواريخ والنفوذ الإقليمي وتعديل السلوك الإيراني؛ لذلك تسعى الإدارة إلى الجمع بين الضغط العسكري والتفاوض، وإبقاء الخيارات مفتوحة.

لكن جوهر المسألة يكمن داخل إيران نفسها؛ فالتغيير يبدو حتمياً، وإن تعددت المسارات. قد نشهد تحولاً نتيجة الضغوط الداخلية أو الصدمات الخارجية، أو بقاء النظام مع تعديل سلوكه وصعود تيار أكثر براغماتية. وفي الحالتين، يبدو أن النموذج الآيديولوجي الذي حكم خلال العقود الماضية يواجه حدوداً واضحة، بعد الحروب الأخيرة والضغوط الاقتصادية والتململ الداخلي.

هذا التحول سينعكس مباشرة على شبكة النفوذ الإيراني في المنطقة؛ فالوكلاء الذين شكلوا أدوات الردع سيواجهون واقعاً جديداً، إما عبر الانخراط في الدول الوطنية وإما بالتراجع التدريجي بفعل موازين القوى. وسيكون لبنان من أبرز ساحات هذا التحول؛ لأن مستقبل «حزب الله» يرتبط إلى حد بعيد بمآلات التغيير في طهران، وبقدرة الدولة اللبنانية على استعادة دورها السيادي.

هل انحسار الدور الإيراني يعني صعوداً تلقائياً لدور إسرائيلي إقليمي؟ الجواب بـ نعم ليس حتمياً؛ فالاتفاقات الإبراهيمية فقدت جزءاً من زخمها بعد حرب غزة، والسياسات في الضفة الغربية تقوض فرص توسيعها، وتعزز فرضية إدارة النزاع بدل حله. كذلك، فإن تدخلاتها في سوريا ولبنان تثير مخاوف لدى العديد من الدول العربية، بما يبقي التوتر مفتوحاً، بينما تعمق الانقسامات الداخلية الإسرائيلية هشاشة القرار الاستراتيجي؛ لذلك تبقى قدرة إسرائيل على التحول إلى شريك إقليمي طبيعي مشروطة بتغيير في الرؤية السياسية، لا في القدرات العسكرية فقط.

الأهم أن غياب أفق سياسي للقضية الفلسطينية يظل العقبة الكبرى أمام أي دور إسرائيلي طبيعي في المنطقة؛ فالممارسات في السنوات الأخيرة تعزز فرضية إدارة النزاع بدل حله، وتبقي التوتر مفتوحاً، وتضعف الاعتدال العربي، وتغذي التطرف. ومع ذلك، تبقى إمكانية التغيير إذا ظهرت قيادة أكثر استعداداً للانخراط في تسويات واقعية.

دولياً، يميل الموقف العام إلى رفض انهيار مفاجئ للنظام الإيراني، ليس دفاعاً عنه، بل خشية الفوضى، وتكرار نماذج سابقة. وهذا ما يفسر التباين مع إسرائيل، كما يفسر مرونة واشنطن في الجمع بين الردع والدبلوماسية. وحتى في ظل الدعم الأميركي الكبير لإسرائيل، تظهر تباينات حول الحرب على إيران، وخلافات حول غزة والضفة أو حدود استخدام القوة.

في المحصلة، تدخل المنطقة مرحلة انتقالية طويلة قد يتراجع خلالها النفوذ الإيراني، لكن من دون أن يعني نهاية الصراع؛ فالشرق الأوسط قد ينتقل من صراع آيديولوجي إلى تنافس نفوذ بين قوى إقليمية أكثر براغماتية، في سياق دولي متعدد الأقطاب. وقد تفتح هذه المرحلة فرصاً لخفض التوتر، وبناء ترتيبات أمنية جديدة، لكنها لن تتحول تلقائياً إلى سلام مستدام.

إن مآلات التغيير في إيران قد تخلق نافذة لإعادة صياغة النظام الإقليمي، لكن نجاح هذه الفرصة يبقى مشروطاً بتغيير في السياسات الإسرائيلية، وبقدرة الدول العربية على بلورة رؤية أمنية مشتركة، وبنجاح دول مثل لبنان وسوريا في إعادة بناء الدولة. من دون ذلك، قد يتراجع النفوذ الإيراني، لكن الصراع سيجد أشكالاً جديدة، ولن يتحول الشرق الأوسط إلى منطقة استقرار حقيقي.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الضربة الاستباقية باب السلام أم الصراع المتحوّل الضربة الاستباقية باب السلام أم الصراع المتحوّل



GMT 06:40 2026 الإثنين ,27 إبريل / نيسان

تأثير إلغاء الرسوم الجمركية

GMT 06:38 2026 الإثنين ,27 إبريل / نيسان

هرمز والعقوبات التى سقطت

GMT 06:36 2026 الإثنين ,27 إبريل / نيسان

مشهد واشنطن هيلتون

GMT 06:34 2026 الإثنين ,27 إبريل / نيسان

النصر الساحق

GMT 06:32 2026 الإثنين ,27 إبريل / نيسان

حقيقية أم تمثيلية؟

GMT 06:30 2026 الإثنين ,27 إبريل / نيسان

النظام الشرق أوسطى!

GMT 06:29 2026 الإثنين ,27 إبريل / نيسان

سيناء تاج مصر

GMT 06:27 2026 الإثنين ,27 إبريل / نيسان

فلسطين فى السينما

نانسي عجرم وأنغام تتصدران موضة إطلالات السهرة اللامعة

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 04:33 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

مرسيدس تكشف الستار عن C-Class موديل 2027الجديدة كلياً

GMT 11:46 2018 السبت ,27 تشرين الأول / أكتوبر

محمد صلاح يقود نادي "ليفربول" ضد "كارديف سيتي" السبت

GMT 14:11 2020 الجمعة ,10 إبريل / نيسان

تثق بنفسك وتشرق بجاذبية شديدة

GMT 22:31 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج العذراء الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 18:46 2017 الأربعاء ,21 حزيران / يونيو

دار Blancheur تعلن عن عرض مميز لأزياء المحجبات في لندن

GMT 22:14 2015 الأربعاء ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

مقتل فتاة شابة على يد شقيقها وعمها وأبناء عمومتها في الفيوم
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt