توقيت القاهرة المحلي 18:24:24 آخر تحديث
  مصر اليوم -

لبنان... من ساحة إلى طرف في النزاع

  مصر اليوم -

لبنان من ساحة إلى طرف في النزاع

بقلم : سام منسى

لم يعد ما يجري في لبنان قابلاً للاختزال في توصيفات تقليدية من قبيل «ضعف الدولة» أو «تعقيد التوازنات الداخلية»، بل نحن أمام واقع أكثر خطورة يتمثل في انهيار تدريجي شامل وفراغات موحشة على المستويات الرسمية والقيادية السياسية والدينية.

هذا الفراغ هو نتيجة مسار طويل من الاغتيالات بدأ مع الرئيس المنتخب بشير الجميل مروراً برئيس الحكومة رشيد كرامي ومفتي الجمهورية حسن خالد، إلى رينيه معوض، ليبلغ ذروته مع اغتيال رفيق الحريري وما تلاه من مسلسل تصفيات مستمر حتى اليوم.

وبين القتل المتعمد والغياب الطبيعي لزعامات لم يُملأ فراغها، انكشفت السلطة السياسية فتحولت من مرجعية سيادية إلى كيان يُعاد في ظله إنتاج قرار الحرب والسلم خارج مؤسساته وعلى أرضه، وباسمه أحياناً. حتى بات الوطن مثل «الرجل المعلق في الهواء».

شكلت نهاية حرب الإسناد الأولى وتوقيع اتفاق وقف الأعمال العدائية بين «حزب الله» وإسرائيل في 27 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، إلى جانب انتخاب العماد جوزيف عون وتكليف نواف سلام رئاسة الحكومة، فرصة معلنة لإعادة تثبيت دور الدولة. غير أن ما تلاها لم يكن استعادة للسيادة بقدر ما كان مرحلة انتقالية كرست الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع.

كشفت المعطيات عن إعادة بناء قدرات «حزب الله» بإشراف مباشر من «الحرس الثوري» الإيراني، وتحويل هيكلية الحزب من قيادة هرمية إلى وحدات لا مركزية، بما يعكس انتقالاً من نفوذ إيراني خارجي إلى مشاركة فعلية في إدارة القرار العسكري داخل لبنان. وهنا يبرز السؤال: هل نحن أمام اختراقات جديدة أم تراكمات ممتدة؟ وإذا كانت كذلك، فماذا فعلت السلطة الجديدة لاحتوائها خارج حدود العناوين العامة؟

الحاصل منذ 28 فبراير (شباط) الماضي لا يقتصر على استعادة تنظيم عسكري لفاعليته، بل كان تحولاً بنيوياً نحو نموذج لا مركزي يصعب احتواؤه، مستفيداً من دروس المواجهات السابقة، خصوصاً استهداف مراكز القيادة. أمَّا دلالته الأهم فهي سياسية تتمثل بانتقال لبنان عنوة من ساحة لصراعات الآخرين إلى طرف فيها.

في هذا السياق، تصبح الدولة اللبنانية في موقع الاتهام لا الشكوى. فالدولة التي أعلنت بدء تنفيذ التزاماتها في الجنوب، تبين عجزها أو عدم رغبتها في ضبط ما يجري داخل أراضيها أو حماية حدودها، كما تجلَّى بدخول عناصر «الحرس الثوري». والأدق أن الدولة لم تسمح بذلك بقدر ما فشلت في منعه أو جرى من دون علمها، ما يكشف إما ثغرة أمنية خطيرة أو شبهة تواطؤ لا يمكن تجاهلها. ويُطرح أيضاً سؤال أكثر إرباكاً: أين كانت ترسانة الحزب طوال هذه الفترة؟

العجز لا يُختزل بنقص الإمكانات، بل بفقدان الدولة السيطرة على حدودها واحتكار استخدام القوة، فتتحول من كيان ضعيف إلى واجهة شكلية لقرار يُصنع خارجها، تصدر المواقف وتعلن تنفيذ الالتزامات من دون أن تتحكم في مسار الأحداث، فيما تنتقل وظيفتها الفعلية إلى قوى موازية، في واقع لم يعد استثناء بل قاعدة مستقرة.

تعيش السلطة حالة إنكار، فهناك من يتصرف وكأن الأولوية لا تزال لآليات تفاوضية شكلية فقدت معناها. هذا الانفصال عن الواقع لا يقل خطورة عن الانتهاكات نفسها. كيف تُطرح مفاوضات فيما القرار ليس بيد الدولة؟ ولماذا تُهمش مبادرات لاستعادة الحد الأدنى من القرار السياسي بذريعة توازنات داخلية مختلة؟

الوقت ليس لتقاذف المسؤوليات ولا لتحميلها لطرف واحد، بل للاعتراف بالواقع. فالقوى السياسية، بانشغالها بصراعاتها الضيقة، ساهمت في تكريسه بفعل التقصير أو التكيّف، فتوزعت المسؤولية بين من صادر القرار ومن سمح بمصادرته ومن تعامل مع ذلك كأمر واقع.

وبينما كانت الدولة تعلن خطوات سيادية في ظل ما يجري من «الحرس الثوري»، انشغلت القوى السياسية في حساباتها الانتخابية بتنافسها على سلطة تدرك أنها معطلة. أي مفارقة أقسى من هذه؟! ولا يُعفى المجتمع بدوره؛ إذ أسهم صمت شرائح واسعة، أو تكيفها مع هذا الواقع أو تبريرها له أحياناً، في تطبيع انتهاك السيادة وتحويله من صدمة إلى أمر مألوف.

لم يشهد لبنان أياماً مصيرية كهذه ولا يبدو الخروج من النفق ممكناً من دون إعادة الاعتبار للدولة، كمصدر وحيد للقرار، لكن من يبدأ ومن أين؟ فالمشكلة لم تعد في فقدان الدولة موقع المرجع الوحيد بل في ثقة المجتمع بقدرتها أو إرادتها على استعادة أدوارها. بين دولة تتراجع، وقوة تتقدم خارجها، ومنظومة سياسية عاجزة أو متواطئة، وشعب صامت، وحكومة إسرائيلية شرسة متهورة، يُكتب مستقبل بلد لم يُحسم بعد. فهل يستعيد دولته أم سيتكيف مع غيابها؟

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

لبنان من ساحة إلى طرف في النزاع لبنان من ساحة إلى طرف في النزاع



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt