توقيت القاهرة المحلي 14:20:40 آخر تحديث
  مصر اليوم -

النشاز الإسرائيلي في الدبلوماسية الأميركية

  مصر اليوم -

النشاز الإسرائيلي في الدبلوماسية الأميركية

بقلم:سام منسى

تُظهر مواقف بنيامين نتنياهو وممارسات حكومته في غزة ولبنان وسوريا والضفة الغربية، ولا سيما بعد مؤتمري نيويورك وشرم الشيخ وموافقة مجلس الأمن على خطة الرئيس دونالد ترمب للسلام وزيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن، أن إسرائيل لا تتصرف بوصفها طرفاً منخرطاً في العملية السياسية غير المسبوقة التي تُحاول واشنطن رسمها للمنطقة. فبينما تندفع الإدارة الأميركية نحو هندسة مسار تفاوضي جديد، تتحرك تل أبيب خارجه، وتتعامل مع الخطة بوصفها إطاراً لإدارة الأمن، لا مدخلاً لتسوية سياسية شاملة.

في غزة، دعم نتنياهو للخطة الأميركية ليس بمستوى الالتزام بتسوية بعيدة المدى بقدر ما شكّل قبولاً بترتيبات انتقالية تخدم الأولويات الإسرائيلية. فنتنياهو يتمسك بثوابته: لا دولة فلسطينية، لا سيادة مستقلة، لا دور للسلطة الفلسطينية، مع احتفاظ إسرائيل بحق شن عمليات عسكرية كلما رأت أن أمنها مهدد. ورغم الهدنة المعلنة، واصلت إسرائيل تنفيذ ضربات داخل القطاع لمنع إعادة بناء القدرات، ما جعل الخطة أقرب إلى إدارة هدنة هشّة منها إلى مسار انتقال سياسي منظم. وهذا يشي بأن نتنياهو لا يدفع فعلياً نحو مرحلتها الثانية، أي تفكيك «حماس» بالكامل، بل نحو إنهاك الحركة إلى مستوى يمنعها من تهديد الأمن الإسرائيلي من دون أن تختفي كلياً، بما يمنحه الذريعة لمعاودة سياساته كما قبل 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وإبقاء الوضع في دائرة السيطرة.

في لبنان، يبرز الكثير من نقاط التشابه مع غزة، إذ يعتمد كل من «حماس» و«حزب الله» النهج نفسه: الاحتفاظ بالسلاح والتمكين للاحتفاظ بالدور السياسي. غير أن المشهد اللبناني يتمايز بتردد الدولة بشأن مستقبل السلاح وحجمه في القرار الوطني. هذا التردد انعكس تشدداً إسرائيلياً متزايداً، تُرجم بضربات في الجنوب والبقاع والضاحية، مع تأكيد تل أبيب أن أي خرق للتهدئة سيواجه بالقوة. وبينما تعمل واشنطن على ترسيم حدود آمنة، وفتح مسار سياسي داخلي، تتعامل إسرائيل مع الساحة اللبنانية بوصفها جبهة منفصلة عن الجهد الأميركي، تُدار بالنار لا بالتفاهمات. ورغم إعلان إسرائيل عزمها تقويض «حزب الله» تماماً، تبقى أكثر تشدداً فقط بشأن خلو الجنوب من وجوده، وأكثر غموضاً تجاه دوره خارجه، في تعارض واضح مع الموقف الأميركي الداعي لمعالجة سلاحه على مستوى البلاد.

أما في سوريا، فيبدو التباين أوضح في ظل الموقف غير المفهوم من الحكم الجديد. فبينما تُحاول واشنطن تثبيت المرحلة الانتقالية بعد سقوط نظام الأسد وربط دمشق الجديدة بترتيبات إقليمية مستقرة، تواصل إسرائيل مقاربة «الأمن أولاً» عبر التوغل البري، وتكثيف الضربات في الجنوب السوري والجولان وضواحي دمشق وتسعير الفتن، من دون استعداد لربط أمنها بمسار سياسي. وقد رسخت واقعاً يقوم على الحدود الأمنية بدل الحدود السياسية، والسيطرة بالنار بدل التفاهمات، واستباق أي ترتيبات أميركية قد تفرض قيوداً عليها أو تُعيد رسم قواعد الاشتباك.

هذه السلوكيات في الساحات الثلاث تُنتج انطباعاً واضحاً: إسرائيل تتعامل مع مشروع ترمب ليس بوصفه عملية سلام، بل فرصة لإعادة صياغة البيئة الأمنية المحيطة بها، فهي تريد سلاماً بصفر تكلفة، يُنهي قتالاً هنا وهناك لكنه لا يرسم أفقاً سياسياً للفلسطينيين، ولا يعالج مسائل السيادة في لبنان وسوريا، ولا يؤسس لمستقبل انخراطها في المنطقة سياسياً واقتصادياً. وبذلك تتحول من شريك ضمن هندسة السلام إلى «مستفيد مشروط»، أو حتى «طرف معطل محتمل» كلما اتضح لها أن واشنطن تسعى إلى تسوية أوسع من حدود مصالحها الأمنية.

يواجه مشروع ترمب معضلة جوهرية: فنجاح الخطة الأممية في غزة لا يقتصر على نزع سلاح «حماس» وإدارة المرحلة الانتقالية، بل أيضاً ضبط السلوك الإسرائيلي الذي قد يُعيد خلط الأوراق. فمرحلة ما بعد الحرب تبدو أقرب إلى نموذج «لا حرب ولا سلام»: وقف هش لإطلاق النار تقابله ضربات محدودة وقوة دولية منشغلة بإطفاء الحرائق بدل إدارة انتقال سياسي فعلي. وفي لبنان، يستحيل أي اتفاق طويل الأمد على الحدود من دون تحديد الدور الإسرائيلي ضمن المعادلة الإقليمية. أما في سوريا، فسيظل أي جهد أميركي لإعادة البناء هشّاً ما دام ما تريده إسرائيل من سوريا محصوراً بمقاربة «الأمن بالضربة الاستباقية».

المرجح أن يستمر نتنياهو في اللعب على خطّين: ترك واشنطن تُدير المسار الدبلوماسي بما يخدم مصالحها، والإبقاء على سياسة القوة لضبط بيئة إسرائيل الحدودية، الأمر المعطل للمسار الأول. وعلى المدى المتوسط، ستضطر إدارة ترمب إلى الاختيار بين الضغط الفعلي على إسرائيل لربط الأمن بمسار سياسي فلسطيني-إقليمي واضح، أو القبول بتفسير نتنياهو للسلام باعتباره «ترتيباً أمنيّاً طويل الأمد بلا أفق سياسي». الأول يُعيد تعريف الدور الأميركي في المنطقة، والثاني يبقيه في إدارة أزمة دائمة، لا في صناعة سلام دائم.

السؤال لم يعد: هل تُطبق خطة ترمب؟ بل: هل تريد إسرائيل أصلاً أن تكون جزءاً من سلام تتغير فيه قواعد اللعبة، أم أنها تُفضل البقاء فوق العملية لا داخلها؟ الإجابة وحدها تحسم مستقبل المنطقة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

النشاز الإسرائيلي في الدبلوماسية الأميركية النشاز الإسرائيلي في الدبلوماسية الأميركية



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 18:53 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج العقرب الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:39 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الثور الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:59 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الدلو الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:36 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الحمل الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:56 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الجدي الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 19:01 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الحوت الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 07:17 2025 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

قمة الثبات العربي والإسلامي

GMT 05:07 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج القوس الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 05:13 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الجدي الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 05:01 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الأسد الميزان 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 04:24 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الثور الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 18:54 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج القوس الخميس 06 أغسطس/ آب 2026
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt