توقيت القاهرة المحلي 14:16:41 آخر تحديث
  مصر اليوم -

موجة التخوين ورفع السقوف وارتداداتهما اللبنانية

  مصر اليوم -

موجة التخوين ورفع السقوف وارتداداتهما اللبنانية

بقلم : سام منسى

مع انتهاج «حزب الله» سياسة رفع السقوف، لا بدَّ من الإضاءة على موجة التخوين والتصعيد الخطابي التي يشنّها ضد رئاسة الجمهورية اللبنانية ورئاسة الحكومة والمرجعية المارونية، في توقيت يبدو للوهلة الأولى داخلياً، لكنَّه في الحقيقة مشدود إلى تحولات إقليمية ضاغطة. فلبنان اليوم يقف على خط تماس بين مسارين: مسار السلام المستدام ومسار المقاومة والحروب المتوالدة.

لماذا هذا التصعيد الذي لا يمكن فهمه من دون التوقف عند عدد من الدوافع الداخلية؟ الأول يتصل بطبيعة المشروع السياسي نفسه: ففكرة التفاوض المباشر مع إسرائيل، أو حتى طرح سلام دائم، لا تمثل مجرد خيار سياسي بديل؛ بل تضرب في العمق السردية التي بُني عليها خطاب المقاومة لعقود. فالانتقال من منطق «الصراع المفتوح» إلى منطق «التسوية المستقرة» ينهي مشروعية الخطاب المقاوم وأصحابه برمته، ليصبح التصعيد وسيلةَ دفاع وجودية عن نموذج كامل، لا مجرد رد فعل ظرفي.

الثاني يرتبط بتحول في موقع القرار داخل الدولة. منذ مرحلة الهيمنة السورية وما تلاها، اعتاد الحزب أن يكون صاحب الكلمة الفصل في الملفات السيادية، مستنداً إلى تحالفات داخلية وفرت له غطاءً سياسياً، لا سيما في المرحلة التي شكل فيها ميشال عون مظلة مسيحية وازنة. اليوم، مع محاولة السلطة اللبنانية إعادة الاعتبار لمنطق المؤسسات، لم يعد احتكار القرار مسلماً به، ويأتي التصعيد رفضاً لهذه المعادلة الجديدة، ومحاولة لإعادة تثبيت خطوط النفوذ القديمة. وينبغي ألا نغيّب ظروف وصول جوزيف عون إلى الرئاسة بعد الزلزال الإقليمي الذي حركه الرد على عملية «طوفان الأقصى»، وما تلاه من متغيرات إقليمية طالت ميزان القوة وقلبت المعادلة، ومنها السعي لإنهاء أدوار المنظمات خارج الدولة.

الدافع الثالث يكمن في طبيعة الصراع على حق التمثيل. حين تقترب الدولة من اتخاذ قرار سيادي كالتفاوض، يُعاد طرح السؤال: من يملك تعريف المصلحة الوطنية؟ استهداف الرئاستين يهدف إلى تحجيم هذا الادعاء، وإعادة رسم حدود الشرعية والمؤسسات؛ إذ لا يبدو الحزب مستعداً للتسليم بمرجعية المؤسسات الدستورية من دون مكاسب تعيد توزيع موازين السلطة داخل النظام اللبناني. أما المسّ بالمرجعية المسيحية الدينية، فينقل الخلاف من مستوى سياسي تقني إلى مستوى هوياتي، يصبح معه النقاش حول خيارات لبنان نقاشاً حول تعريفه نفسه.

هذا التحول ليس تفصيلاً لأنه يفتح باباً خطيراً: تحويل الخلاف السياسي إلى توتر مجتمعي قابل للاشتعال. فهل الهدف هو دفع الشارع إلى الانفجار؟ القراءة الأدق تشير إلى العكس. ما يجري هو اقتراب محسوب من حافة الانفجار؛ لا رغبة في السقوط فيها، والهدف هو ردع السلطة عن الذهاب بعيداً في التفاوض واختبار قدرة الشارع المقابل على التعبئة. فإن حصل احتكاك محدود، يوظف سياسياً، وإن لم يحصل، تكون الرسالة قد وصلت بتكلفة منخفضة. إنها سياسة إدارة الحافة، حيث يُستخدم التوتر أداةً لا غاية، وإذا تعذرت الغلبة يبقى التعطيل خياراً متوفراً.

في هذا السياق، المطلوب ليس كسر المؤسسات؛ بل تطويعها، بحيث لا تتحول المفاوضات إلى مسار مستقل قادر على فرض وقائع لا يمكن التحكم فيها لاحقاً.

يبقى البعد الإقليمي العامل الأكثر تأثيراً في تحديد سقوف هذا المشهد. فالتصعيد الداخلي لا يُفهم فقط بوصفه صراعاً لبنانياً؛ بل ترجمة لحالة ضبابية تحكم العلاقة الأميركية - الإيرانية. فمنذ إعلان ترمب انتهاء العمليات العسكرية ضد إيران من دون اتفاق، دخلت المنطقة مرحلة رمادية: لا حرب محسومة ولا تسوية مكتملة، ما يترك الساحات الهشة كلبنان، عرضة لتجاذب مفتوح؛ بحيث اغتالت إسرائيل القيادي علي بلوط في الضاحية الجنوبية رغم الهدنة. موقف واشنطن هذا يخلق فراغاً في المرجعية، ويدفع القوى المحلية خصوصاً إلى إعادة رسم خطوطها الحمراء بنفسها، ليتحول التصعيد رسالة إلى الداخل بأن أي مسار لا يراعي توازنات القوة سيبقى غير قابل للتنفيذ، وإلى الخارج بأن أي ترتيب لا يمر عبر هذه المعادلة سيبقى هشاً.

في المقابل، تترافق الضبابية الأميركية مع اندفاعة إسرائيلية لفرض وقائع جديدة في الجنوب، ما يضع لبنان أمام واقع صعب: ضغط عسكري متصاعد ومسار تفاوضي غير مضمون، وبين الاثنين، تصبح الساحة الداخلية أكثر هشاشة وقابلية للاستخدام بوصفها مساحة ضغط متبادل.

الخطر في هذا المسار لا يكمن في احتمال الانفجار الكبير؛ بل في الاعتياد على التوتر المضبوط. حين تُدار البلاد على حافة الاشتباك، يتحول الاستثناء إلى قاعدة، وتذوب الحدود بين السياسة والأمن، وبين الدولة وما يوازيها. ومع الوقت، لا تعود المشكلة في جولات التصعيد؛ بل في بنية كاملة تعيش على حافة الفتنة، وتتآكل تدريجياً من دون لحظة حاسمة تعيد تأسيسها.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

موجة التخوين ورفع السقوف وارتداداتهما اللبنانية موجة التخوين ورفع السقوف وارتداداتهما اللبنانية



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt