توقيت القاهرة المحلي 14:08:35 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الهُوّية والسيادة ومعضلة أوكرانيا

  مصر اليوم -

الهُوّية والسيادة ومعضلة أوكرانيا

بقلم : جمعة بوكليب

يرى الكاتب الأميركي جيمس بالدوين أنه: «لا أحدَ يعرفُ بدقة كيف تُصاغ الهُويّات، ولكن من الآمن القول إن الهُويّات لا تُخترع. يبدو أن الهُويّة تُكتسب بالطريقة التي يُواجه بها الشخص تجاربه ويستخدمها. إنّها عملية طويلة الأمد ومربكة ومحرجة إلى حد ما».

إذا كانت الهُوّية الفردية تتشكل عبر تراكم التجارب الشخصية، فإن الهُوّية الجمعية بدورها هي نتاج عملية بناء معرفي وعاطفي مشترك بين الجماعة، يتم بلورته عبر التاريخ والذاكرة المشتركة.

وعلى الساحة الدولية تُصبح هذه الهُوّيات الجمعية قوى محركة للصراعات، كما هي الحال في الأزمة الأوكرانية الروسية، التي تتحدد إشكاليتها الكبرى في تقاطع مفهومي الهُويّة والسيادة، مع مفهوم الأمن القومي الروسي.

فالهُويّة الجمعية، يقول أهل الاختصاص، هي ما يحدد الحدود الداخلية لأمة ولشعب ويصوغ «النحن» الوطني. بعد استقلال أوكرانيا عام 1991، بدأت البلاد في عملية طويلة ومعقدة للتحرر الهُويّاتي عن روسيا، وهو ما يتماشى مع تعريف بالدوين أعلاه للهُوّية المكتسبة عبر التجارب. هذا التحرر لم يكن يهدف إلى إنكار التراث المشترك بالكامل، بل إلى تأسيس سردية وطنية تتمحور حول التاريخ الأوكراني المستقل، واللغة الأوكرانية، والرموز الثقافية المتميّزة. وكان ذلك الدافع المحفّز وراء استقلال الكنيسة الأوكرانية عن نظيرتها الروسية في شهر ديسمبر (كانون الأول) 2018.

إلا أن عملية التحرر الهُويّاتي الأوكرانية هذه واجهت تحدّياً مضاعفاً. فعلى المستوى الأوكراني الداخلي، تتميز أوكرانيا بكونها دولة متعددة المكونات، خصوصاً في الشرق والجنوب حيث تحتفظ قطاعات واسعة من السكان بروابط ثقافية ولغوية قوية مع روسيا. وقد شكّل هذا التنوع نقطة ارتكاز للسياسة الروسية الخارجية التي رفضت أي توجه أوكراني لتكوين هُويّة منفصلة، معتبرة البلاد جزءاً من الفضاء الحضاري والتاريخي الروسي. وبناءً على ذلك، أصبحت هذه الروابط المُستغَلّة ذريعة متكررة لتبرير التدخلات العسكرية الروسية بدعوى حماية الناطقين بالروسية، مما حوّل السعي إلى تأسيس هُوّية وطنية أوكرانية إلى أداة محتملة لتقويض استقلال أوكرانيا.

أما إشكالية السيادة فتعدُّ العامل الثاني في تقويض الاستقلال الأوكراني وحق أوكرانيا في تقرير الطريق الذي ستختاره. ذلك أن أوكرانيا المستقلة، خصوصاً بعد انتخاب الرئيس الحالي فولوديمير زيلينسكي رئيساً للبلاد، سعت إلى ممارسة حقها السيادي في قراراتها، باللجوء إلى فك الارتباط مع جارتها روسيا والالتحاق بالغرب من خلال طلب الانضمام إلى حلف «الناتو»، الأمر الذي قوبل برفض روسي قاطع وحازم، كونه يفضي مباشرة إلى تعريض الأمن القومي الروسي للخطر، بوجود قوات حلف «الناتو» على حدود روسيا الغربية.

في علم السياسة، تعرّض الدارسون في المدرسة الواقعية إلى ما يسمى بنظرية الهيمنة الإقليمية، وهي أن التفوق السياسي والعسكري والاقتصادي لدولة واحدة قوية ومهيمنة (تسمى بالمهيمن الإقليمي) يفرض ضغوطات على جيرانها الأصغر حجماً وقوة لتفادي اتخاذ أي سياسات تتعارض وسياستها الخارجية، أو تعرّض أمنها القومي للخطر. لعل أفضل مثال على ذلك، وضعية فنلندا بعد الحرب العالمية الثانية مع الاتحاد السوفياتي سابقاً. حيث توجّب على فنلندا التشاور مع موسكو في أي سياسة خارجية تريد اتخاذها مقابل الحفاظ على استقلالها. الرئيس الأوكراني زيلينسكي تجاهل تلك الحقيقة السياسية، بحرصه على استقلالية القرار الأوكراني من أي ضغوطات روسية، ودفعتْ أوكرانيا الثمن.

المفارقة أن الحرب الأوكرانية ضد روسيا ساهمت في تشكيل وعي أوكراني بهُوّية وطنية أوكرانية، تتأسس على الدفاع عن أوكرانيا، وحق شعبها في اختيار مصيره، والتعبير عن طموحاته وثقافته. أما بخصوص مبدأ حق السيادة الكاملة فإن الحرب زادت في تأكيد استحالة تحققه، وسيكون ذلك مشمولاً في أي اتفاق سلام مقبل.

تُظهر الأزمة الأوكرانية أنها تتجذر بعمق في التقاطع الحرج بين بناء الهُويّة والاعتراف بالسيادة الوطنية. إذ تبين صعوبة تحققهما معاً في أوكرانيا بناء على معطيات الرفض الروسي القاطع، وما أفضى إليه من حرب مهلكة. ذلك الرفض سيتم توثيقه دولياً في أي اتفاق سلام محتمل قريباً بين البلدين.

وفي المحصلة، فإن هذا الصدام الدموي بين الهيمنة الإقليمية والحق السيادي لا يحدد مستقبل أوكرانيا فحسب، بل كان ولا يزال يشكل تحدّياً جوهرياً للمبادئ الأساسية التي يقوم عليها النظام الدولي.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الهُوّية والسيادة ومعضلة أوكرانيا الهُوّية والسيادة ومعضلة أوكرانيا



GMT 02:18 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

لعنةُ إبادة غزة وارتداداتُها

GMT 02:16 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

فارق الوقت وفالق الزلازل

GMT 02:13 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

لنعدّ أنفسنا لواقع جديد!

GMT 02:12 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

نندم... لكنْ ماذا بعد الندم؟

GMT 02:11 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

عامٌ خامسٌ من الحربِ ولا سَلامَ في الأفق

GMT 02:10 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

رمضان والمجتمع

GMT 02:09 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

متحف الأوهام

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 22:37 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:30 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الأسد الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:31 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج العذراء الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:27 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الجوزاء الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 13:47 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العذراء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 03:52 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

هل تدريس الرياضيات يحسّن من مستوى الطلبة؟

GMT 07:40 2025 الإثنين ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

موعد مباراة بلغاريا وجورجيا في تصفيات كأس العالم 2026

GMT 21:38 2021 الأربعاء ,13 كانون الثاني / يناير

تقدم منتخب مصر لليد على تشيلي بنتيجة 28 / 23 بعد 50 دقيقة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt