توقيت القاهرة المحلي 11:53:19 آخر تحديث
  مصر اليوم -

عن المُنجّمين والمُحللين السياسيين وخُبراءِ الطقس

  مصر اليوم -

عن المُنجّمين والمُحللين السياسيين وخُبراءِ الطقس

بقلم : جمعة بوكليب

مع أفول شمس عام وبداية عام جديد، تبلغُ حُمّى التوقّعات في الشؤون الحياتية والسياسية والاقتصادية والعسكرية ذروتها. وتتحول القنوات التلفزيونية والمنصّات الإعلامية سريعاً، إلى ساحات مفتوحة لفئتين متناقضتين في الأدوات، متشابهتين في الأثر، إلى حد ما، وهما: المنجّمون أو العرّافون من جهة، والمحللون السياسيون من جهة أخرى.

كلاهما ينشط في نهاية العام، مستغلاً خوف الإنسان مما يخبئه له مستقبل مجهول ممثل في عام جديد، وكذلك بحثه الدائم عن طمأنينة يحتمي داخلها كصَدَفة، وسط صخب عالم لا يُؤتمن، تتقاذفه أمواج وأعاصير وزلازل بأنواع مختلفة ومتعددة.

من الممكن تعريف التنجيم باختصار بأنه تجارة بيع الأوهام. يضرب بجذوره في أعماق التاريخ، حيث كان جزءاً أساسياً من مفردات وممارسات الحضارات القديمة شرقاً وغرباً. أما اليوم، فقد تحوّل التنجيم إلى مهنة معترف بها تدرُ أموالاً. تنتشر في كل البلدان تقريباً، وتعتاش على استغلال العاطفة والقلق الإنسانيين. المنجّمون والعرّافون، أينما كانوا، قديماً وحديثاً، يحظون بشهرة يحسدون عليها، ويمارسون نوعاً مما نسميه «الاحتيال المقنن»، مستندين في ذلك إلى قاعدة معروفة منذ قديم الزمن، يجسّدها مثلٌ شعبي يقول: «رزق الهبل على المجانين».

أدوات الصنعة بسيطة؛ إذ لا يحتاج المنجّم والعرّاف لأكثر من صياغات غامضة وإلى حيل لغوية مطاطة ليوهم زبائنه بامتلاك مفاتيح الغيب، في عملية هي أقرب للسطو أولاً على العقول منها إلى أي شكل من أشكال المعرفة، وبهدف السطو ثانياً على ما في جيوب الزبائن من مال. زبائن المنجّم أو العرّاف يشتركون فيما بينهم في خاصية استعدادهم النفساني لأن يكونوا ضحايا.

على الضفة الأخرى المقابلة، يبرز المعلقون والمحللون السياسيون في وسائل الإعلام على اختلافها، ويتنافسون في تقديم التعليقات والتحليلات في مختلف شؤون السياسة، ويتم كل ذلك على مرأى ومسمع من الجمهور، وبلغات رصينة وواضحة ومصطلحات. وما يقولونه من آراء، وما يقدمونه من تحليلات تبدو وكأنها، في رأيي، تشبه تخرّصات منجّمين من جهة، ومن جهة أخرى لا تحمل صفة العلم اليقين وإن بدت على السطح كذلك؛ أي أنها تتموضع في منزلة بين المنزلتين. وهذا يضعهم في خانة يمكن وصفها - إن جاز التعبير - بخانة «العرّافين المُحدثين».

ورغم أنّهم قادمون من خلفيات مختلفة عن المنجّمين والعرّافين، ويحملون أرقى الشهادات العلمية أو أغلبهم، وتتسم أغلب طروحاتهم بالمعقولية، وتستند إلى معطيات وأحداث وقرائن واقعية، لكنّها، في الأخير، لا تخرج عن دائرة التكهّنات؛ بمعنى أن نسبة احتمال خطئها تقل أو ربما تساوي نسبة احتمال صحّتها. وهي في جوهرها، إن أمكن القول، رهان يشبه إلقاء نرد على طاولة قمار.

المنجّمون والعرّافون يتحدثون إلى زبائنهم بلغة العارف الموقن، لكن المحللين السياسيين أكثر ذكاءً وحذراً في أحاديثهم وكتاباتهم، بمعنى أنّهم يحرصون على عدم قفل الأبواب وراءهم، بتركها مواربةً، ضماناً للتراجع حمايةً لسمعتهم وحفظاً لماء الوجه إذا ما سارت الرياح بما لا تشتهي سفن توقعاتهم، وهي كثيراً ما تفعل. ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن فئة منهم، بنسبة لا بأس بها، تنطلق من خلفية صلبة من المعرفة بالشأن السياسي، وبخبرة مكتسبة على مر الأعوام من ممارسة السياسة، وبعضهم ممن تولوا مناصب ومسؤوليات قيادية، ما يمنح أحاديثهم وتحليلاتهم مصداقية وصبغة «حديث العارف». لكن رياح السياسة – بطبعها – تظل ميداناً للمفاجآت التي قد تُسقط أعتى التوقعات.

يكمن السرُّ في استمرار رواج هذه التوقعات في طبيعة النفس البشرية، رغم يقيننا باحتمالية خطئها. نحن نتعامل مع المحلل السياسي أحياناً كما نتعامل مع خبير الأرصاد الجوّية؛ فالأخير قد يخطئ في تقدير سرعة الرياح أو موعد هطول المطر رغم امتلاكه لكل الأدوات العلمية. ورغم ذلك، نحرص نحن على متابعة النشرات الجوّية يومياً استعداداً وتوقياً لما قد يأتي به الطقسُ من مفاجآت.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عن المُنجّمين والمُحللين السياسيين وخُبراءِ الطقس عن المُنجّمين والمُحللين السياسيين وخُبراءِ الطقس



GMT 11:36 2026 الأربعاء ,21 كانون الثاني / يناير

أحمد الشّرع للأقلّيّات: سورية موحّدة

GMT 11:34 2026 الأربعاء ,21 كانون الثاني / يناير

ترامب يحشر إيران في زاوية اللايقين

GMT 11:29 2026 الأربعاء ,21 كانون الثاني / يناير

حقيقة إرجاء الحرب على إيران

GMT 11:24 2026 الأربعاء ,21 كانون الثاني / يناير

أكاذيب وحقائق عن أم كلثوم

GMT 11:23 2026 الأربعاء ,21 كانون الثاني / يناير

مبادرة ترامب بشأن السد الإثيوبى.. والنظرة السوداوية

GMT 11:20 2026 الأربعاء ,21 كانون الثاني / يناير

انتصار المدرب الإفريقى الوطنى

GMT 08:23 2026 الأربعاء ,21 كانون الثاني / يناير

صورة غلاف

GMT 08:21 2026 الأربعاء ,21 كانون الثاني / يناير

قانون الغاب وثلوج «دافوس»

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ مصر اليوم

GMT 22:07 2026 الثلاثاء ,20 كانون الثاني / يناير

رونالدو يكسب معركة العشرة ملايين يورو أمام يوفنتوس
  مصر اليوم - رونالدو يكسب معركة العشرة ملايين يورو أمام يوفنتوس

GMT 00:54 2026 الأربعاء ,21 كانون الثاني / يناير

ترامب يؤكد دعمه لعمليات الجيش السوري في مواجهة قسد
  مصر اليوم - ترامب يؤكد دعمه لعمليات الجيش السوري في مواجهة قسد

GMT 13:41 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجوزاء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:53 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العقرب السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:03 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحوت السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:43 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج السرطان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:47 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العذراء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 08:41 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الحمل الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 02:04 2017 السبت ,02 كانون الأول / ديسمبر

ماجد المصري يحتفل بعيد ميلاد ابنيه بحضور نجوم الفن

GMT 07:18 2018 الأربعاء ,03 كانون الثاني / يناير

أسامة فاضل يؤكد أن "صباح الخير" فيلم لكل أفراد الأسرة

GMT 09:55 2024 الثلاثاء ,17 كانون الأول / ديسمبر

مواقيت الصلاة في مصر اليوم الثلاثاء 17 ديسمبر / كانون الأول 2024

GMT 04:30 2024 الثلاثاء ,29 تشرين الأول / أكتوبر

قائمة الفائزين بـ"جوائز الكرة الذهبية" 2024

GMT 18:01 2021 السبت ,28 آب / أغسطس

شريف منير يروج لمسلسل" أجازة مفتوحة"

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 17:29 2021 الخميس ,01 إبريل / نيسان

مسلي آل معمر رئيسًا للنصر السعودي بالتزكية
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt