توقيت القاهرة المحلي 14:08:35 آخر تحديث
  مصر اليوم -

في ليبيا... البُنُّ يصير مِلحاً

  مصر اليوم -

في ليبيا البُنُّ يصير مِلحاً

بقلم : جمعة بوكليب

استعداداً لقرب حلول شهر الصيام، بادرت إدارة مصرف ليبيا المركزي بفتح باب الاعتمادات المصرفية أمام التجار، لاستيراد السلع والبضائع الضرورية للشهر الفضيل، ورصدت لذلك مبلغاً يزيد على 3 مليارات دولار أميركي، تباع بالسعر الرسمي. أي كل دولار أميركي يقابله تقريباً 5.43 دنانير ليبية.

في الأسبوع الماضي، في ميناء مصراتة البحري، وخلال جولة تفتيش على السلع القادمة إلى الميناء، توقف رجال الجمارك أمام عشر حاويات كبيرة، وفتحوا إحداها. المستندات الرسمية تؤكد أن السلعة بالحاويات حُبوب بُن. ولكن رجال الجمارك اكتشفوا أن الأكياس المستوردة داخل الحاويات العشر تحتوي على مِلح. قيمة شحنة المِلح في الحاويات تقترب من 3 ملايين دولار أميركي. سعر الدولار في السوق الموازية حالياً يقترب من 8 دنانير ليبية.

هذه الفضيحة ليست الأولى، ولن تكون الأخيرة في ليبيا. والسبب أن تجارة الاعتمادات المصرفية تجارة كبيرة ومربحة وبلا رقابة، تقوم على تسلم مبالغ مالية بالدولارات من المصرف المركزي بثمن أرخص مما هو عليه في السوق الموازية. وبعدها يقوم أصحاب الاعتمادات بتدوير المبالغ وإرجاعها إلى السوق الليبية وبيعها بفارق سعر كبير.

في سنوات مضت، كانت الجماعات المسلحة تؤسس شركات وهمية لهذا الغرض. وتستغل أرباح بيع الدولار بالداخل في شراء الأسلحة والذخائر، وفي الاستثمار بالأسواق العقارية في الدول المجاورة، وفي دول أوروبا.

اللافت للاهتمام أن الليبيين لم يسمعوا يوماً أن السلطات الأمنية قبضت على التجار المستوردين للسلع المغشوشة رغم ثبوت الأدلة، أو جرَّمت الشركات المستوردة، رغم أنهم معروفون وفقاً للوثائق المقدمة من طرفهم للمصرف. وهذا بدوره أفضى إلى ازدياد وانتشار شركات استيراد وهمية، كل همها هو الحصول على ملايين الدولارات من المصرف المركزي، ثم تدويرها وإعادتها إلى السوق الليبية، وبيعها للمواطنين بفارق سعر كبير، مع تفضيل واضح لبعض الشركات العائلية.

رجال الجمارك في مدينة مصراتة، ما كانوا ليفتشوا الحاويات المملوءة بالملح بدل البُن المسجل بالأوراق، لو أن الشركة المستوردة لم تخالف الأصول المتبعة وقامت بالواجب، أي بدهن التروس المهمة في إدارة الميناء بما يلزم من زيوت وتشحيم. هذا احتمال أول. أما الاحتمال الثاني، فإن إدارة الجمارك في الميناء المذكور وصلت إليها معلومات عن الشحنة قبل وصولها، وكانت في انتظارها.

هذا يقود إلى استنتاج لا مناص منه. وهو أن المسؤولين بالحكومة وبالمصرف المركزي وبقية المصارف على علم ودراية بما يحدث من تلاعب في الاعتمادات المصرفية الخاصة بالتوريد، وعلى دراية بالمتلاعبين، ورغم ذلك لا يستطيعون إيقاف الاستنزاف المتعمَّد للعملة الأجنبية، إما بسبب الخوف وإما لطمعهم في حصة من الغنائم.

الاحتمال الثاني أقربهما إلى الواقع، حسبما تبيَّن مؤخراً من بيانات مكتب النائب العام، من اعتقال وسجن موظفين في المصارف الليبية ممن سهَّلوا التلاعب. ولكن الحيتان الكبيرة ظلوا في مأمن من العقاب.

وأن يستورد تاجر -أو شركة استيراد مواد غذائية- بقيمة ثلاثة ملايين دولار أميركي تحت بند تزويد السوق الليبية بالبُن لصنع القهوة، ويقوم باستيراد عشر حاويات كبيرة الحجم مملوءة بالملح بدلاً من ذلك، في بلاد بشاطئ بحر طوله نحو ألفَي كيلومتر، فتلك كما يقول المصريون: «فضيحة بجلاجل»، تؤكد على مستوى الانحطاط الأخلاقي الذي وصل إليه بعض التجار الليبيين في سبيل الإثراء غير المشروع. هذا من جهة.

من جهة أخرى، يرى البعض أن إحضار شحنة ملح بدلاً من شحنة بن أهون قليلاً من إحضار شحنات سلع غذائية منتهية الصلاحية، أو فاسدة. ويشيرون في ذلك إلى النسبة العالية المسجلة رسمياً من الإصابة بأمراض السرطان المختلفة بين الليبيين.

في الفترات الأخيرة، قامت مجموعة من الباحثين المتخصصين في الأغذية بجولات تفتيشية على الأفران في طرابلس، وتبين أن أغلبها يستخدم مواد تحسينية تسبب مرض السرطان. وتأكد ذلك من خلال التحاليل المختبرية العلمية. والأسوأ من ذلك استيراد شركات الأدوية أدوية منتهية الصلاحية. أي إن الأمن الغذائي والدوائي لليبيين منتهكان.

وبينما يستمر نزيف المليارات تحت لافتة «توفير السلع الضرورية»، يبقى السؤال قائماً: متى تتوقف ليبيا عن استيراد الملح بأغلى الأثمان، وتكتفي بالتخلص من «ملح الفساد» الذي تغرق فيه البلاد؟

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

في ليبيا البُنُّ يصير مِلحاً في ليبيا البُنُّ يصير مِلحاً



GMT 02:18 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

لعنةُ إبادة غزة وارتداداتُها

GMT 02:16 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

فارق الوقت وفالق الزلازل

GMT 02:13 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

لنعدّ أنفسنا لواقع جديد!

GMT 02:12 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

نندم... لكنْ ماذا بعد الندم؟

GMT 02:11 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

عامٌ خامسٌ من الحربِ ولا سَلامَ في الأفق

GMT 02:10 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

رمضان والمجتمع

GMT 02:09 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

متحف الأوهام

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 22:37 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:30 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الأسد الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:31 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج العذراء الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:27 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الجوزاء الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 13:47 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العذراء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 03:52 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

هل تدريس الرياضيات يحسّن من مستوى الطلبة؟

GMT 07:40 2025 الإثنين ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

موعد مباراة بلغاريا وجورجيا في تصفيات كأس العالم 2026
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt