توقيت القاهرة المحلي 17:00:50 آخر تحديث
  مصر اليوم -

في ذكرى استقلال ليبيا... ماذا أبقيتم للأجيال المقبلة؟

  مصر اليوم -

في ذكرى استقلال ليبيا ماذا أبقيتم للأجيال المقبلة

بقلم:جمعة بوكليب

في يوم استقلال ليبيا نتساءل: ماذا تحقَّق خلال 75 عاماً؟ البلادُ في أسوأ حالاتها، والصراعُ على السلطة على أَشُدِّه... أمَّا المستقبل فلا تفكير فيه. بلادٌ أصابها الوهن، والأمم من حولها تنمو وتزدهر، والسلطوين يتناطحون في ما بينهم.

السؤال في العنوان أعلاه يفرض نفسه على النخب السياسية وعلى غيرها في ليبيا؛ ذلك أنَّ التجربةَ السياسية الليبية المؤلمة منذ سبتمبر (أيلول) 1969 حتى يوم الناس هذا، تُعدُّ نموذجاً مأساوياً للدول التي «تمتلك الموارد» و«تفتقد الرؤية»؛ حيث تحوّلتِ الثروةُ النفطية، التي حباها اللهُ بها، من أداةٍ لبناءِ غدٍ مشرق، إلى وسيلةٍ لتحقيق طموحات شخصية وخوضِ غمارِ مغامراتٍ وحروبٍ خاسرة، ثم تحولتْ لاحقاً وقوداً يغذي الانقسامَ والتمزقَ الاجتماعي، ويعمّق الفوضى والفساد. وفي ذلك الخضم لم يعد التفكيرُ في حقوق الأجيال المقبلة واجباً وطنياً وأخلاقياً وإنسانياً. بالتالي، فإنَّ استعادةَ البوصلة الوطنية المفقودة ليست مجرد ترف سياسي، بل هي مطلبٌ أساسي وضرورةٌ وجودية للخروج من النفق المعتم الحالي نحو أفق المستقبل وبناء الدولة الحديثة.

في معمعة الأزمات اليومية المتوالية دون نهاية منذ فبراير (شباط) 2011، تختلط الأمور وتشتبك على نحو محزن على الصُّعد كافة، وتضيع في فوضاها، للأسف، أولوياتُ المستقبل، وتَغيبُ كليةً عن حساباتِ النخبِ التي تتولى مقاليدَ الأمور في البلاد أسمى واجباتها: الحرص على صناعة غدٍ أفضل للأجيال المقبلة.

الإمعانُ في نهب موارد الدولة، واستشراءُ الفساد وتَحوّله إلى ثقافة، وانهيارُ بنى التعليمِ والصحةِ وغيرِهما من القطاعات الخدمية، وتردي قيمة الدينار الليبي، وتحويلُ المال العام آلةً للربح الفوري لفئة انتهازية... كل ذلك، دون شك، خيانةُ للمستقبل.

السؤال الجوهري الذي يجب أن يؤرق الجميع: أي وطن سنورّثه لأبنائنا وأحفادنا؟ هل هو وطن المؤسسات والعدالة والعلم والمساواة في الفرص، أم خرائب وأنقاض مهشّمة تركتها صراعات عقيمة على أموال «مَوْرِدٍ» تؤكد كل الحسابات العلمية أنه ناضبٌ لا محالة؟

الخروج من الحالة الراهنة ضرورة وطنية، وهو يتطلَّب ويشترط، أولاً وقبل كل شيء، توفر «إرادةٍ سياسية» و«رؤيةٍ وطنية شاملة»، تحرصان معاً على تحويل مفهوم الدولة من ساحة مفتوحة للصراع على الغنائم، إلى منصة ترتكز عليها وتنطلق منها النهضة. الغد المأمول يبدأ من اليوم.

بناء الدولة الليبية المنشودة يسير باتجاه معاكس؛ في الطريق التي دُفعت إليها ليبيا قسراً منذ فبراير 2011. وهو يتطلب أولاً نُخباً وطنية ذات كفاءة تتوفر لديها «الإرادة السياسية» و«الرؤية الوطنية»، وتؤمن بأنَّ الاستقرارَ وتوطيدَه يرتكزان على أسس وأعمدة واضحة؛ أبرزها: الكفاءةُ، وحكمُ القانون لضمان ألا تظل الثروة حكراً على من يملك السلاح، والتوجهُ نحو الاستثمار في الإنسان وليس في شراء وتكديس الأسلحة... وهذا يستلزم مواكبةَ التحوّلات التقنية العالمية، وعلى رأس القائمة يأتي السعيُ الجاد إلى تنويع الاقتصاد للتحرر من سطوة الريع النفطي.

يتجلَّى حجم الفرص الضائعة في ليبيا بوضوح لدى مقارنة وضعنا بالنماذج الناجحة في كثير من البلدان النفطية، التي استثمرت مواردَها في بناء مدن ذكية وتنمية بشرية مستدامة؛ مما يثبت أن النفط ليس نقمة في حد ذاته، بل «العجزُ الإداري» و«غيابُ الرؤية» هما اللذان يُحيلانه نقمة.

تجاوُز الفوضى الحالية في البلاد ليس مستحيلاً إذا خلصتِ النيّات وَصَفَتِ النفوس. وهو يبدأ من الاتفاق على مشروع وطني يضع مصلحة الوطن فوق المصالح الضيقة. ليبيا تحتاج إلى هندسة مستقبل يضمن العدالة بين الأجيال. هذا التحوّلُ لن يُصنَع في قاعات التفاوض الدولية وحدها، أو خلف كواليس تَقاسُمِ الغنائم ومناطق النفوذ، إنما يُبنى في الصفوف الدراسية حيث تُغذَّى العقول بالمعرفة، وفي المختبرات حيث تُخلق القيمة.

الرهان الحقيقي اليوم هو على الإنسان الليبي الذي تحمّل صامداً طويلاً، ويستحق أن يُمنح فرصة للبناء. والدربُ نحو دولة المستقبل لا يَخفى، ويبدأ بخطوة شجاعة: الاعترافُ بأن الثروة الحقيقية ليست في عمق الأرض، بل في بناء الإنسان، وفي ترسيخ الإرادة الجماعية لجعل جودة الحياة معيارَ الغنى الحقيقي. عندها فقط ستتحول ليبيا من حالة استثنائية في الفشل إلى قصة استثنائية بالنهوض.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

في ذكرى استقلال ليبيا ماذا أبقيتم للأجيال المقبلة في ذكرى استقلال ليبيا ماذا أبقيتم للأجيال المقبلة



GMT 08:27 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

أخطار الحرب الإيرانية خليجيّاً

GMT 08:25 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

عناصر الفشل

GMT 08:24 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

هذا العالم... «مرة أخرى»

GMT 08:22 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

نار لبنانية من دون تدفئة

GMT 08:21 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

إيران وبعض أسئلة النزوع الإمبراطوري

GMT 08:19 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

حرب أهلية تهدد أميركا ترمب

GMT 08:17 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

تركيب الدولة العربية وتفكيكها

GMT 08:15 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

الانتقال من اقتصاد الشركات إلى اقتصاد السلع

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ مصر اليوم

GMT 17:00 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

ترمب يحذر إيران من هجوم أشد في حال عدم التوصل إلى اتفاق
  مصر اليوم - ترمب يحذر إيران من هجوم أشد في حال عدم التوصل إلى اتفاق

GMT 11:21 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

حاكم كاليفورنيا يتهم تيك توك بقمع محتويات ناقدة لترامب
  مصر اليوم - حاكم كاليفورنيا يتهم تيك توك بقمع محتويات ناقدة لترامب

GMT 13:39 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الثور السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:38 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 07:12 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

هل للطفل مطلق الحرية ؟

GMT 17:44 2025 الخميس ,20 شباط / فبراير

عودة ثلاثي الاتحاد قبل مواجهة البنك الأهلي

GMT 03:55 2025 السبت ,13 كانون الأول / ديسمبر

إتيكيت التعامل مع العلاقات السامة بشكل صحي

GMT 12:25 2022 الأحد ,16 تشرين الأول / أكتوبر

بيرسي تاو ينتظم في تدريبات الأهلي الجماعية بشكل كامل

GMT 02:00 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

حكايات السبت

GMT 12:09 2018 الأربعاء ,11 تموز / يوليو

روني كسار يشعل مهرجان "سيدي الظاهر" في تونس

GMT 03:35 2016 الثلاثاء ,04 تشرين الأول / أكتوبر

رنا الأبيض تُعوّض انسحاب سلاف فواخرجي من "باب الحارة"

GMT 02:39 2017 الإثنين ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

نجلاء بدر تحلل تصرفات الرجل في " بيومي أفندي"

GMT 22:47 2024 الإثنين ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

مجوهرات بتصاميم فريدة تجمع بين الجرأة والرقة

GMT 23:47 2024 الأربعاء ,04 أيلول / سبتمبر

قائمة المرشحين للفوز بجائزة الكرة الذهبية 2024
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt