توقيت القاهرة المحلي 06:00:30 آخر تحديث
  مصر اليوم -

ليبيا: العودة إلى مرحلة الحَبْو

  مصر اليوم -

ليبيا العودة إلى مرحلة الحَبْو

بقلم : جمعة بوكليب

 

قبل إجادته النطق وتعلّم الكلام، يمر الوليد الآدمي بمرحلة اللثغ. وقبل وقوفه على قدمَيْن وتعلّم المشي، يكون قد مرّ بمرحلة الحَبْو، أي التحرّك ببطء على يدَيْه وركبتَيْه.

مرحلة الحَبْو تُعدُّ قصيرة، إلا أنّها تطول أحياناً، لأسباب أغلبها يعود إلى أمور صحّية يتعرّض لها الوليد. والأمر نفسه، وباختلاف، يطول مسيرة الدول والأمم والشعوب خلال مراحل تاريخها؛ إذ لا أحد منها وُلد واقفاً على قدمين.

قبل تعلّم المشي كان الحَبْو. والتاريخ الإنساني، على اختلاف مراحله، يُعدُّ سجلاً موثقاً لمسيرة التطور الإنساني والحضاري. وهي مسيرة طويلة وبانحناءات كثيرة، وانتكاسات مريرة.

في بدايات الخمسينات من القرن الماضي، شهدت خريطة العالم ظهور دول مستقلة جديدة، بأعلام وأناشيد وطنية. ومن ضمنها بلدي ليبيا، التي استقلّت في شهر ديسمبر (كانون الأول) من عام 1951. المسافة الزمنية بين تاريخ الاستقلال والوقت الحالي تجاوزت السبعين عاماً. وتُعدّ كافية جداً، بالمعايير كافّة، لكي تتجاوز الدولة الليبية مرحلة الحَبْو، وتبدأ مسيرة النهوض والمشي والسير في ركب الأمم. إلا أن الزائر لليبيا هذه الأيام، أو حتى خلال السنوات الماضية، يكتشف العكس. فالدولة الفتيّة شاخت وتفتتت. والمجتمع تشظّى. والنسيج الاجتماعي تمزّق، وبدلاً من دولة ليبية، وُجدت، حالياً وفعلياً، اثنتان على الأرض. والاثنتان في حالة حليلة من التخبط والفوضى والنهب.

كما ينتكس الوليد صحياً، أو يُصاب بداء الإعاقة، تتعرّض الأمم والشعوب إلى نكسات. بعضها يمكن الشفاء منه، وبعضها يصيبها بإعاقة. فتبدو في وضعية مثيرة للشفقة. والذين عرفوا ليبيا في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، خصوصاً في مرحلة النهوض الإداري والتعليمي الصحي والأمني، لربما يتذكرون المستقبل المأمول والموعود الذي كان ينتظرها. إلا أن تلك الفورة النهضوية سرعان ما تعرّضت للبتر، على أيدي انقلاب عسكري في عام 1969. تلك كانت أولى النكسات. ذلك أن المخلّص الذي جاء مبشّراً بالخلاص من الرجعية، وبالتحرر من الاستعمار، تحوّل إلى مستبد عنيد، أدخل البلاد والعباد في أنفاق معتمة، وأهدر ثرواتها في مغامرات سياسية وعسكرية فاشلة. وكل ذلك كان على حساب قطاعات أساسية؛ مثل: التعليم، والصحة، والمواصلات.

النكسة الأخرى كانت بسقوط النظام العسكري في فبراير (شباط) من عام 2011؛ إذ كان المتوقع أن التخلص من الاستبداد قد يحرّر الشعب من أصفاده، ويسعى جاهداً لتعويض ما فاته، واللحاق بمن سبقه من الشعوب والأمم. لكنّ التوقعات كانت لا تتطابق وواقع الأحوال. وبدلاً من الانطلاق إلى الأمام، عادت ليبيا إلى مرحلة الحبو، والزحف على اليدَيْن والركبتَيْن.

الأمل هو الفرق بين مرحلة الحبو الأولى، التي بدأت بعد الاستقلال، والانتكاسة الحالية التي تعيشها البلاد. في مرحلة ما بعد الاستقلال مباشرة، ورغم الدمار الذي سبّبه الاستعمار الفاشي الإيطالي، والدمار الذي لحق بها من جرّاء المعارك التي جرت على ترابها بين جيوش الحلفاء والمحور، والفقر وقلة الموارد، فإن الليبيين، شرقاً وغرباً شمالاً وجنوباً، كانوا مسكونين بالأمل، وعلى ثقة بالله وبالمستقبل. وجزاهم الله على صبرهم بأن منّ عليهم باكتشاف النفط.

ذلك الأمل اختفى متبدداً مثل رماد في فضاء، ومكانه حل يأس مُرّ وقاسٍ في قلوب الليبيين، وهم يرون بلادهم تنتكس وتعود القهقرى، إلى مرحلة الحبو، وكأنها لم تعرف يوماً الوقوف على قدمَيْن والمشي.

العالم ينطلق إلى العلا وليبيا تغوص في الوحل بفعل أبنائها.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ليبيا العودة إلى مرحلة الحَبْو ليبيا العودة إلى مرحلة الحَبْو



GMT 06:00 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

مسلة فرعونية في باريس!

GMT 05:58 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

مفاجأتان من الصين

GMT 05:55 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

ليبيا والسودان... الحظ العاثر

GMT 05:52 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

المنطقة تعيش رهينة الشهرين

GMT 02:57 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

بديل السياسة الغائبة

GMT 02:56 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

مبارك بين عادل إمام ومحمود عبدالعزيز!!

GMT 02:54 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

عصر ما بعد الموتوسيكلات

GMT 02:52 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

الوساطة مازالت ممكنة لكن بشروط

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 09:53 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

توقف مرور ناقلات النفط عبر مضيق هرمز

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 16:18 2023 الإثنين ,18 أيلول / سبتمبر

العراق فاتحاً ذراعيه لأخوته وأشقائه

GMT 07:12 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

هل للطفل مطلق الحرية ؟
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt