توقيت القاهرة المحلي 07:30:40 آخر تحديث
  مصر اليوم -

ليبيا: ضحايا معلومون... وقتلةٌ مجهولون

  مصر اليوم -

ليبيا ضحايا معلومون وقتلةٌ مجهولون

بقلم:جمعة بوكليب

الحكاياتُ نوعان: خيالية وواقعية. حكايات «ألف ليلة وليلة» أفضل مثال على النوع الخيالي. في تلك السلسلة، محكمة الترابط من الحكايات المتتالية لمدة ألف ليلة وليلة، ينسى الملك شهريار أمر قتل زوجه شهرزاد؛ لأن حكاياتها استحوذت على خياله وحرّكت فضوله، فكان يذهب إلى النوم فجر كل يوم مشدوداً إلى معرفة النهاية المحتملة لها في الليلة التالية.

بعد مرور قرون عدة، يأتي قارئ في بلد ما، ويبدأ في قراءة حكايات شهرزاد، فتستغرقه حتى ينقطع عما وعمَّن حوله. وفي زخم القراءة، يحدث له ما حدث قبله للملك شهريار، بأن ينسى أمر قتل شهرزاد أيضاً.

شهرزاد كانت الوحيدة التي لم تنسَ أمر القتل. وهذا ما جعلها تختلق الحكاية تلو الأخرى لتنجو بحياتها. الخيال كان حبل النجاة من الموت، وجعل شهريار يؤجل القتل، ثم يعفو.

الحكايات الواقعية تختلف قليلاً من حيث الإمتاع عن نظيراتها الخيالية، ليس لقصور في زخم وقائع الحياة اليومية وغرائبها، بل ربما نتيجة ما يحدث في ذلك الواقع من أمور تفوق الخيال وليست باعثة على المسرة. هل سمعتم مثلاً بحكاية رجل مخمور في مقبرة وجدته الشرطة ينفخ في بوق لإيقاظ الموتى معلناً بدء يوم القيامة؟

ما يحدث في ليبيا من غرائب وفظاعات على الصعيد اليومي يفوق في مناحٍ كثيرة إبداعات نافخ البوق المحزنة أعلاه. وعلى سبيل المثال، كيف مثلاً لحكومة معترف بها من الأسرة الدولية، يتعرض سبعة من وزرائها للاعتقال والسجن بتهمة نهب المال العام وتستمر في أداء مهامها، ولا يبادر رئيسها بتقديم استقالته، متصرفاً وكأنه لا علاقة له بها؟ أو كيف مثلاً يتم من خلال مكتب النائب العام في طرابلس اعتقال وسجن مسؤول حكومي كبير، أو مدير مصرف أو مؤسسة مالية، بتهمة السرقة والاحتيال، بمعدل واحد كل عشر ساعات تقريباً، من دون أن يخرج الناس إلى الشوارع متظاهرين تعبيراً عن سخطهم وإسقاط الحكومة؟ الغريب، أن النساء الليبيات ممن يعملن في القطاع المصرفي أثبتن جدارة في السرقة تفوق شطارة زملائهن الرجال. إحداهن أُعتقلت مؤخراً بتهمة «لهط» 13 مليون دينار ليبي.لكن حكايات سرقة المصارف أو نهب الميزانية المخصصة لطباعة الكتاب المدرسي لهذا العام الدراسي من قبل وزير التعليم وشركائه شيء، وحكايات الخطف والتعذيب والقتل شيء آخر. في نهاية الأسبوع الماضي في طرابلس، وفي وضح النهار، وعلى مرأى ومسمع من الناس، قام أشخاص مسلحون في سيارة قيل إنها تتبع جهة أمنية معروفة بمطاردة سيارة مدنية تقودها امرأة، فأردوها قتيلة ولاذ مرتكبو الجريمة بالفرار.

تبيّن فيما بعد، حسبما قيل، أن المستهدَف كان زوجها، وكان عضواً عن مدينة الزاوية غرب طرابلس، في لجنة الحوار التي انتخبت رئيس حكومة طرابلس عبد الحميد الدبيبة في جنيف منذ خمس سنوات مضت. وبناءً على شهادات شهود عيان، فإن القتيلة حاولت الهروب بتوقيف السيارة في عرض الشارع العام وفتح الباب والركض، لكن الطلقات لاحقتها، وأصابتها واحدة في رأسها. وهذا يعني أنها هي المقصودة وليس زوجها كما قيل. المرأة، حسبما تبين، نشطة في مواقع الإنترنت ومعروفة. ولو كان المقصود زوجها لما سارع المجرمون بقتلها لدى تبين الحقيقة لهم.

شهرزاد كانت تعرف مسبقاً، قبل دخولها القصر الملكي، أن الملك شهريار عازم على قتلها كما فعل بمن سبقنها من زوجات، لذلك السبب دبّرت أمر اختلاق الحكايات. وفي فجر كل يوم تتوقف، لكي يهجع الملك إلى فراشه، بينما هي تبدأ في غزل ونسج وحياكة حكايات جديدة. الأمر الذي لم يُتح للمرأة القتيلة في طرابلس. ولم يُتح لغيرها من النساء والرجال الذين تعرضوا للاغتيال في مدن ليبية عدة، في الشرق والغرب والجنوب.

النهايات هي ما توضح الفرق بين حكايات شهرزاد الخيالية وحكايات الواقع الليبي المرعبة. ذلك أن حكايات شهرزاد الخيالية انتهت بالخلاص والحياة، بينما حكاياتنا الواقعية في ليبيا، على الرغم من توثيقها، تظل مفتوحة على ألم لا ينتهي.

نجحت شهرزاد باستخدام الخيال في تأجيل الموت، ثم إلغائه، أما نحن فنسجل وقائع موتانا الحقيقيين كل يوم ضد «مجهول» معلوم للجميع، في مأمن من العقاب، يمارس سلطانه في وضح النهار، ليس برواية حكايات خيالية تروى في ساعات الليل، في انتظار الفجر لتتوقف، بل ببنادق محشوة بالطلقات مسحوبة الأقسام لا تنتظر سوى الضحية التالية، من دون إبداء اعتبار للزمان والمكان.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ليبيا ضحايا معلومون وقتلةٌ مجهولون ليبيا ضحايا معلومون وقتلةٌ مجهولون



GMT 07:19 2026 الخميس ,23 إبريل / نيسان

علماء وليسوا جنوداً

GMT 08:48 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

رياح هادئة من سوريا

GMT 08:45 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

حياة الفهد... وحياة الذاكرة

GMT 08:43 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

الوسط المستحيل في لبنان

GMT 08:40 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

إشكاليات الأمن الإقليمي

GMT 08:23 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

خطأ ستارمر كشف أخطاء

GMT 08:20 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

عبقرية الحسابات العمياء

GMT 08:19 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

استدعاء باكستان

تنسيقات الأبيض والأسود بأسلوب كلاسيكي عصري على طريقة ديما الأسدي

دمشق - مصر اليوم
  مصر اليوم - شريف منير يتحدث عن صعوبات تجسيد شخصية محمود عزت

GMT 07:40 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

بريطانيا تعتزم حظر الهواتف المحمولة في المدارس
  مصر اليوم - بريطانيا تعتزم حظر الهواتف المحمولة في المدارس

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 15:36 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : ناجي العلي

GMT 12:07 2018 الجمعة ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الجبلاية تستقر على خصم 6 نقاط من الزمالك

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 10:40 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

تستفيد ماديّاً واجتماعيّاً من بعض التطوّرات

GMT 15:16 2025 الأربعاء ,14 أيار / مايو

"أرامكو" تعتزم استثمار 3.4 مليار دولار في أمريكا

GMT 01:56 2019 الجمعة ,10 أيار / مايو

كأس المدربين وليس كأس الأبطال..

GMT 07:09 2019 الخميس ,24 كانون الثاني / يناير

العثور على كنز أثري يعود إلى فترة الهكسوس في كوم الخلجان

GMT 09:27 2017 الثلاثاء ,05 كانون الأول / ديسمبر

طوارئ في مطار القاهرة لمواجهة الشبورة المائية

GMT 21:09 2018 الأحد ,23 أيلول / سبتمبر

تاتو "دينا الشربيني" يُثير أعجاب عمرو دياب

GMT 02:42 2017 الجمعة ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

حجي يُؤكّد سعادته بالإشراف على قرعة "شان 2018"
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt