توقيت القاهرة المحلي 21:18:18 آخر تحديث
  مصر اليوم -

ليبيا: معضلة توطين المهاجرين الأفارقة

  مصر اليوم -

ليبيا معضلة توطين المهاجرين الأفارقة

بقلم:جمعة بوكليب

مؤخراً، شهدت ليبيا موجة غضب شعبي ضد توطين المهاجرين الأفارقة في البلاد. وتسبّب ذلك في ارتفاع درجة حدة الغضب ضد المهاجرين بشكل خطير. وما حدث باختصار، هو أنه خلال الأسبوعَيْن الماضيين، ظهر في وسائل الإعلام خبر حول لقاء في طرابلس، جمع وزير الحكم المحلي في حكومة طرابلس بمسؤولة في منظمة الهجرة الدولية التابعة للأمم المتحدة. وزُعم أن الاجتماع يتعلّق بتوطين المهاجرين الأفارقة في ليبيا. حكومة طرابلس برئاسة عبد الحميد الدبيبة أصدرت بياناً تنفي فيه بشدة الأمر. إلا أن الخبر سرعان ما انتشر، وكان الشرارة التي أضرمت نيران غضب شعبي خطير هدّد حياة المهاجرين.

يوجد في المدن الليبية مهاجرون أفارقة بأعداد كبيرة ولافتة. وما نعرفه أن أوروبا وليست ليبيا هي المقصد والهدف لهم. أي أنهم يعدّون ليبيا ممراً ومقراً مؤقتاً وليس مقراً ومستقراً دائماً، إلى حين إتاحة الفرصة لهم، ومن ثمّ يتمكنون من ركوب البحر، والوصول إلى واحدة من البلدان الأوروبية.

فترات بقائهم في ليبيا في السابق لم تكن طويلة. لكن تشديد القبضة الأمنية على شبكات التهريب، بالتنسيق والتعاون بين السلطات الليبية والاتحاد الأوروبي، أدى إلى تمديد فترات الانتظار؛ هذا من جهة.

من جهة أخرى، يعمل المهاجرون الأفارقة في المدن الليبية بقطاعات اقتصادية متدنية، يأنف منها الليبيون. فهم من يتولون العمل في تنظيف الشوارع وجمع القمامة، ويعملون في الأفران، وفي قطاع البناء والمزارع، وفي ورشات النجارة والسيارات وغيرها. وهم بذلك يقدمون خدمات كثيرة وجليلة لقاء أجور زهيدة. وبالطبع، نظراً إلى زيادة أعدادهم في السنوات الأخيرة، وإقاماتهم في تجمعات لا تبتعد كثيراً عن الأحياء السكانية، تسبّب ذلك في انتشار ظواهر ذات صفة إجرامية. والمسؤول عن ذلك ليس المهاجرين وإنما غياب الدولة ومؤسساتها، وضعف الأجهزة الأمنية أمام تغوّل الجماعات المسلحة.

توطين المهاجرين الأفارقة ليس جديداً في ليبيا. فقد دأبت الحكومات السابقة منذ بدايات مرحلة ما بعد الاستقلال على تبني سياسة التوطين. أي إن النظامَيْن السابقَيْن الملكي والعسكري طبقاً تلك السياسة لأغراض وأهداف مختلفة.

الاختلاف هذه المرّة هو أن التوطين، لو حدث، سيتم في غياب كامل للدولة ولمؤسسات حكومية متخصصة وقادرة على تنظيم العملية بشكل يحفظ حقوق المهاجرين وييسر أمورهم، من خلال تسجيلهم رسمياً وتوزيعهم في مناطق مختلفة بعيداً عن التجمعات السكانية، وفي الوقت ذاته لا يخلُّ بالأمن العام، أو يدعو إلى انزعاج السكان.

وما لا يعلمه كثيرون أن موجات العنف الشعبي ضد المهاجرين الأفارقة في ليبيا قبل انتفاضة فبراير (شباط) 2011، تحظى بسوابق خطيرة، موثقة رسمياً في سجلات الأجهزة الأمنية والقضائية. وبالتالي، فإن موجة الغضب الحالية تأتي بمثابة تحذير وإنذار لما قد يحدث من عنف وانتهاكات خطيرة، وما قد يُرتكب من كوارث ضد مهاجرين فقراء، دفعت بهم الظروف السيئة إلى ترك بلدانهم، على أمل ضمان عيش كريم.

وما لا يعرفه كثيرون أيضاً أن سوق العمالة في ليبيا حالياً أفريقية في أغلبها. ولولا وجودهم لتحولت شوارع المدن الليبية إلى مراتع للقمامة ومصادر للعدوى بمختلف الأوبئة والأمراض، ولارتفع سعر الخبز عشرة أضعاف، لعدم وجود من يدير الأفران والمخابز. ناهيك بمن يعمرون المزارع، ويشيّدون البيوت والعمارات.

الغريب أن الذاكرة الجمعية الليبية انتقائية، بمعنى أنها تتناسى ما كان يحدث خلال فترة حكم القذافي، حين اضطر الآلاف منهم إلى ترك بلادهم هرباً من أهوال ما كان يحدث في البلاد. فما الذي حدث، ومن أي الطرق نفذ إلى ذاكرتهم النسيان؟

وفي تفسيري لما حدث ويحدث ضد المهاجرين عموماً، ليس في ليبيا فقط، بل في مختلف دول العالم، هو أن ذاكرات الشعوب تفقد بوصلتها، وتبدأ تعمل بآليات غريبة. بمعنى أن الذاكرات في أوقات وأزمنة تتصف باختلال القيم والاضطراب الاجتماعي وافتقاد الأمان، تكون فريسة سهلة للبرمجة من الأجهزة والمؤسسات الرسمية ووسائل الإعلام، بما يشبه عملية غسل دماغ. ويؤدي ذلك إلى أن تتحول الذاكرة الجمعية، عن سبق إصرار وترصد، إلى ذاكرة انتقائية، تتعامل مع التاريخ بملقط صغير في اليد. ويفضي ذلك بالضرورة إلى تحول غالبية أفراد الشعب إلى أدوات ووسائل مفيدة في أيدي حكومات، بهدف تحقيق أغراض وأهداف أخرى.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ليبيا معضلة توطين المهاجرين الأفارقة ليبيا معضلة توطين المهاجرين الأفارقة



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 17:04 2025 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

أفضل الملابس الرجالية التي يمكن أن يختارها لترافقه

GMT 21:32 2022 السبت ,22 تشرين الأول / أكتوبر

التحقيق في سرقة قطع أثرية من متحف كلية آثار جامعة سوهاج

GMT 07:54 2020 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

أسعار الدواجن في مصر اليوم الخميس 05 تشرين الثاني /أكتوبر 2020

GMT 06:16 2025 الثلاثاء ,15 تموز / يوليو

ديكورات "مودرن" وعمليّة في غرف الجلوس

GMT 02:33 2018 الثلاثاء ,27 تشرين الثاني / نوفمبر

عائشة بن أحمد تكشّف عن اشتراكها مع تامر حسني في فيلمه

GMT 00:28 2017 الإثنين ,16 تشرين الأول / أكتوبر

الملك سلمان يؤكد دعمه لاستراتيجية أميركا الحازمة ضد إيران

GMT 18:29 2017 الأربعاء ,11 كانون الثاني / يناير

الفنانة أحلام تشيد بمصممة الأزياء فرح البابطين
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt