توقيت القاهرة المحلي 09:38:02 آخر تحديث
  مصر اليوم -

عن القِلاعِ والحُصون

  مصر اليوم -

عن القِلاعِ والحُصون

بقلم:جمعة بوكليب

القلاعُ سِمةُ المدنِ القديمة. وفي العاصمة الليبية طرابلس الغرب قلعتان؛ الأولى تعود إلى القرن السادس عشر، بناها الإسبان حين احتلوا المدينة في عام 1510. وحين قرروا مغادرة المدينة في عام 1530 سلّموها إلى فرسان مالطا، المعروفين باسم «فرسان القديس يوحنا»، وبقوا فيها إلى أن جاء الأتراك وأجلوهم عنها في عام 1551.

القلعة الثانية حديثة لدى المقارنة بالأولى، وهي ليست قلعة بالمعنى المتعارف عليه، لكننا تجاوزاً أطلقنا عليها الوصف. بناها الإيطاليون بعد احتلالهم للمدينة في أكتوبر (تشرين الأول) عام 1911.

القلعة الإسبانية عُرفت في فترة الحكم العثماني باسم السراي الحمراء، وما زالت تتموضع في وسط المدينة، وتحوّلت إلى متحف وطني. القلعة الإيطالية صغيرة الحجم، وبعد الاستقلال صارت مقرّاً لمصرف ليبيا المركزي.

القلاعُ في المدن القديمة عموماً وُجدت في الأصل لتكون مقراً للحاكم. وفي العادة تكون محاطة بأسوار لحمايته والأهالي. وهناك قلاع بُنيت وشُيدت خارج المدن كتلك المقامة في مفارق الطرق المهمة، وبخاصة التجارية بغرض توفير الحماية ونشر الأمن للقوافل التجارية. وهناك قلاع تسمى في الأغلب حصوناً مخصصة لإقامة الجند، تتمركز بها حاميات من الجند لحماية الحدود من غارات الأعداء.

حين احتل الإيطاليون ليبيا شيدوا قصراً خارج سور المدينة، صار مقراً للحاكم العسكري الإيطالي. وبعد الاستقلال في عام 1951 صار يُسمى قصر الخُلد العامر، ومقرّاً لإقامة الملك الراحل إدريس الأول، حين يكون مقيماً بطرابلس. وبعد الانقلاب العسكري في عام 1969، أطلق الحكم العسكري الجديد على القصر اسم قصر الشعب. واختار قائد النظام الإقامة في معسكر باب العزيزية والذي تحوّل بدوره إلى حصن منيع، ومركزاً للحكم. وفي وسط تلك القلعة، نصب القائد خيمة يلتقي فيها ضيوفه، وصار ينقلها معه في زياراته الخارجية. وهذا لا يعني تخليه عن قلعة السراي الحمراء؛ إذ كان يحرص على استعادة أمجاد الولاة والحكام، بإقامة سهرات غنائية فيها، خاصة به وبطانته من رجال الخيمة، يدعو لها مطربين معروفين.

قلعة السراي الحمراء تحولت من قلعة عسكرية إلى رمز للحكم، ومن رمز للحكم إلى متحف. ومعسكر باب العزيزية تحوّل إلى أرض جرداء، بعد أن دُكت أسواره وتحوّلت إلى أنقاض في مزبلة التاريخ.

القلعة الإيطالية الصغيرة اكتسبت أهمية بتحوّلها إلى حصن منيع تتكدس داخل خزائنه أموال الليبيين. وزادت أهميتها، بخاصة في السنوات التي أعقبت انتفاضة فبراير (شباط) 2011.

تتكئ السراي الحمراء على ماضٍ دموي، حيث كانت محط صراعات على السلطة بين الولاة الأتراك وضباط الانكشارية، ثم فيما بعد كانت ميداناً لصراعات على الحكم بين أفراد الأسرة القره مانللية إلى حين سقوطها في عام 1835 وعودة الحكم العثماني المباشر.

القلعة الصغيرة المسماة مصرف ليبيا المركزي تحولت هي الأخرى إلى ميدان للصراعات على السلطة في العاصمة. وخلال الأشهر الأخيرة، بدأت تشهد حلقة جديدة من مسلسل الصراعات، بخروج المحافظ الصديق الكبير مهزوماً بعد إقامة 14 عاماً، ودخول محافظ جديد، ليس بدهاء وحنكة الصديق الكبير، والذي استطاع بمرور الوقت تحويل المقر إلى قلعة سياسية ومالية، يتحكم فيها في مقدرات كل ليبيا، وليس العاصمة فقط. وكان يأتي برؤساء الحكومات ويطيح بهم كما شاء.

نجح الصديق الكبير في الحفاظ على القلعة، حتى صار يعرف باسم صاحب القلعة. ونجح في منع تسلل الجماعات المسلحة داخلها. إلا أن هزيمته وخروجه أديا إلى تحقيق الجماعات المسلحة حلمها في الحصول على موطئ قدم داخلها.

خلال فترة الأسابيع الماضية، تعرضت القلعة إلى هزّة مالية شديدة وخطيرة، نتيجة عمليات الإنفاق غير المتوازن من قبل حكومتين متنافستين. وأدى ذلك إلى إعلان حالة الطوارئ وتخفيض قيمة الدينار الليبي بنسبة 13.3 في المائة، وصار الآن رسمياً يساوي كل 5.56 دينار دولاراً أميركياً واحداً، مضافاً إليها ضريبة أخرى بنسبة 15 في المائة.

القلاع وجدت في الأصل للحماية. والقلعة المصرفية في ليبيا فشلت في توفير الحماية لخزائن وثروات الشعب الليبي، بل أدت إلى التعرض للاحتياطي النقدي بالسحب، بغرض حماية الدينار الليبي. اللافت للاهتمام أن الإنفاق الحكومي في الغرب والشرق من البلاد تسرّب أكثره إلى جيوب المسؤولين والسماسرة وقادة الجماعات المسلحة. وعلى المواطنين الليبيين تحمل تبعات الإنفاق والسرقة، ودفع التكاليف.

حين تفشل القلاعُ والحصونُ في توفير الحماية للمقيمين بها، تُهجر وتتحول إلى خرائب، أو تتجنب ذلك المصير وتصير متاحف، هذا إن واتاها حسُن الحظ. وقلعة مصرف ليبيا المركزي تتعرض لأسوأ أزماتها منذ إنشائها. فهل تتجنّب مصير القلاع والحصون الفاشلة وتصمد في وجه تتالي غارات النهب والفساد؟

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عن القِلاعِ والحُصون عن القِلاعِ والحُصون



GMT 06:23 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

شرقٌ لا شرقَ بعده

GMT 06:21 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

عون في البيت الأبيض: زيارة الطلاق مع إيران

GMT 06:18 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

عندما لا يكون لديك غير سلاحٍ واحد!

GMT 06:15 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

هل باحَ عراقجي بالأسرار؟!

GMT 06:10 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

إيران... مشكلة معيشية على آخر نَفَس!

GMT 06:07 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

انحسار مياه النيل يعيد جدل سد النهضة

GMT 06:03 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

«اعترافات جنبلاط» ودروسٌ من التاريخ

GMT 06:00 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

مسلة فرعونية في باريس!

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 09:53 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

توقف مرور ناقلات النفط عبر مضيق هرمز

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 16:18 2023 الإثنين ,18 أيلول / سبتمبر

العراق فاتحاً ذراعيه لأخوته وأشقائه

GMT 07:12 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

هل للطفل مطلق الحرية ؟

GMT 10:17 2024 الإثنين ,30 كانون الأول / ديسمبر

أسماء الأسد ممنوعة من دخول بريطانيا

GMT 08:33 2016 السبت ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

هشام عز العرب يرحب بإلغاء العمولات على تحويلات المصريين

GMT 20:47 2020 الإثنين ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

مؤشرا البحرين يقفلان التعاملات على ارتفاع
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt