توقيت القاهرة المحلي 07:53:16 آخر تحديث
  مصر اليوم -

زوبعة بين ليبيا وإيطاليا والمحكمة الدولية

  مصر اليوم -

زوبعة بين ليبيا وإيطاليا والمحكمة الدولية

بقلم : جمعة بوكليب

 

يبدو، من التجربة، أن الغرض المضمر من تأسيس المحكمة الجنائية الدولية هو خلق وإثارة الزوابع السياسية. إذ منذ ظهورها على الخريطة، كهيئة قضائية دولية، لا يظهر اسمها في وسائل الإعلام الدولية إلا مصحوباً بزوبعة. آخرها، كان منذ أسبوع مضى، لدى تسرّب الأخبار عن اعتقال السلطات الإيطالية لمواطن ليبي يحمل صفة رسمية، وهي مدير عام إدارة السجون في حكومة طرابلس. أمر القبض صادر عن المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي. وصحيفة الاتهام المرفقة لأمر الاعتقال تحمل تهمة تورط الشخص المعني في قضايا تعذيب مهاجرين غير قانونيين في ليبيا. التهمة، حسب المصادر، موثقة بشهادات شهود ما زالوا أحياء، كانوا من ضحاياه. بعد أقل من 48 ساعة تقريباً على تسرّب خبر الاعتقال، عاد المواطن الليبي على متن طائرة إيطالية خاصة، قيل إنها تابعة للمخابرات العسكرية الإيطالية.

الزوبعة الجديدة المقصودة تكوّنت من شقيّن: الأولُ منهما تمثل في اعتقال مسؤول ليبي، دخل إيطاليا قادماً من ألمانيا بسيارة مستأجرة، وبهدف مشاهدة مباراة كرة قدم لفريقه الإيطالي المفضل يوفنتوس. أعقب ذلك رد الفعل الليبي، وجاء على مستويين: رسمي وشعبي.

الرسمي كالعادة فضّل التزام الصمت، والحكمة منهجاً، من خلال السعي سرّياً للتواصل مع السلطات الإيطالية للإفراج عن المسؤول المعتقل. في حين أن رد الفعل الشعبي تمثل في حالة من اهتياج سادت مواقع التواصل الاجتماعي الليبية لا تخلو من فرح وشماتة، تقابلهما موجة تعاطف مع المسؤول المعتقل. كفّة الشامتين الفرحين بالاعتقال رجحت كفّة المتعاطفين مع المعتقل والغاضبين من فعل السلطات الإيطالية.

الشقُّ الثاني من الزوبعة، تمثل في رجوع المسؤول المعتقل سالماً معززاً مكرّماً على متن طائرة خاصة إيطالية. وما أحدثه ذلك الإفراج من زوابع تحت سقف البرلمان الإيطالي، تمّ خلالها تبادل التُهم بين مختلف النواب، والتفوه باتهامات موجهة إلى رئيسة الحكومة جورجيا ميلوني، وبشكل أكثر إلى وزيري العدل والدفاع، لعلاقة الأول المباشرة بحادثة القبض والإفراج، والأخير بحادثة ترحيل المعتقل إلى طرابلس على طائرة تابعة لوزارته. وزير الدفاع الإيطالي أنكر علمه بالأمر. في حين أن وزير العدل تحصّن في دفاعه ضد التهم الموجهة من النواب بادعاء حدوث خطأ إجرائي. وسائل الإعلام الإيطالية تكفلت بنقل تلك الجلسات البرلمانية الساخنة على مختلف القنوات التلفزية مباشرة.

وسائل الإعلام الدولية تجاهلت متعمدة الجزء المتبقي من الزوبعة - الثالث - المتمثل في رد فعل المحكمة الجنائية الدولية نتيجة الفعل الإيطالي بتجاهل أمر الاعتقال الصادر عنها وترحيل المتهم.

في تفسيرها لما حدث، تمسكت السلطات الإيطالية بروايتها القائمة على حدوث خطأ إجرائي في أمر الاعتقال الصادر عن المحكمة الجنائية الدولية. مواقع التواصل الاجتماعي الليبية نقلت حفل استقبال المسؤول العائد من الاعتقال لدى وصوله، كأنها تستقبل قائداً منتصراً. وظهر هو في «مطار معيتيقة»، محمولاً على أكتاف مستقبليه من أفراد عائلته وأصحابه ومؤيديه وأنصاره، ومرفوقاً بهتافاتهم المنددة بالسلطات الإيطالية.

المسؤولون في محكمة الجنايات الدولية لم يسكتوا على ما حدث، وعبروا رسمياً عن استيائهم من الفعل الإيطالي، وأكدوا عدم وجود خطأ إجرائي، كما زعمت وزارة العدل الإيطالية. ومن المؤكد أن الزعم بوجود خطأ إجرائي في عملية القبض ليس صحيحاً. وهذا يعني أن خيوطاً نسجت وراء كواليس بين روما وطرابلس، وأن حكومة روما أعادت حساباتها، واكتشفت أن الخسارة ستكون من نصيبها إن لم تطلق سراح المسؤول الليبي. وتمّ ذلك بناءً على ما وصلها من تهديدات، مبطنة أو صريحة، من سلطات طرابلس.

وما لا يخفى على أحد، حتى في عالم ليس من شيمته الوضوح والشفافية، أن حكومة روما ستكون الخاسر الوحيد في الزوبعة، لو أنها واصلت اعتقال المسؤول الليبي. وأنها، في الوقت ذاته، ليس بإمكانها تحمل النتائج غير السارة المتوقعة سياسياً واقتصادياً. على المستوى السياسي، هناك الاتفاق بين روما وطرابلس على قيام الأخيرة بواجب حماية إيطاليا من تحرك قوارب المهاجرين غير القانونيين باتجاه سواحلها. واستمرار إيطاليا في اعتقال المسؤول الليبي من المحتمل أن يؤدي إلى تجاهل حكومة طرابلس الالتزام بتعهداتها في الاتفاق، مما يقود إلى عودة تدفق القوارب مجدداً محمّلة بالمهاجرين. على المستوى الاقتصادي، هناك عشرات الشركات الإيطالية العاملة في ليبيا ويحتمل توقيفها عن العمل. وهناك أيضاً احتمال بإقفال خط أنابيب الغاز البحري الليبي من مصنع تسييل الغاز في منطقة مليتة المتوجه إلى إيطاليا. أضِف إلى ذلك وقف تصدير النفط.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

زوبعة بين ليبيا وإيطاليا والمحكمة الدولية زوبعة بين ليبيا وإيطاليا والمحكمة الدولية



GMT 06:23 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

شرقٌ لا شرقَ بعده

GMT 06:21 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

عون في البيت الأبيض: زيارة الطلاق مع إيران

GMT 06:18 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

عندما لا يكون لديك غير سلاحٍ واحد!

GMT 06:15 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

هل باحَ عراقجي بالأسرار؟!

GMT 06:10 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

إيران... مشكلة معيشية على آخر نَفَس!

GMT 06:07 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

انحسار مياه النيل يعيد جدل سد النهضة

GMT 06:03 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

«اعترافات جنبلاط» ودروسٌ من التاريخ

GMT 06:00 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

مسلة فرعونية في باريس!

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 09:53 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

توقف مرور ناقلات النفط عبر مضيق هرمز

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 16:18 2023 الإثنين ,18 أيلول / سبتمبر

العراق فاتحاً ذراعيه لأخوته وأشقائه

GMT 07:12 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

هل للطفل مطلق الحرية ؟
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt