توقيت القاهرة المحلي 15:33:31 آخر تحديث
  مصر اليوم -

لا بديل عن قيام دولة فلسطينية

  مصر اليوم -

لا بديل عن قيام دولة فلسطينية

بقلم : جمعة بوكليب

الصورُ التي نقلتها إلينا، على الهواء مباشرة، وسائل الإعلام العربية والدولية، للآلاف من الفلسطينيين من سكان قطاع غزة، على ذلك الطريق الضيق، من جنوب القطاع إلى شماله، عائدين إلى قليل مما بقي ثابتاً صامداً من بيوتهم، وإلى كثير مما تحوّل منها إلى أنقاض وركام وخرائب، أيقظتْ في ذاكرات كثير منّا، تلك الصور القديمة لفلسطينيي عام 1948، وهم ينزحون عن ديارهم قسراً في طريقهم إلى شتات، كان وما زال لطخة على جبين الإنسانية.

طريقُ العودة يختلف بالطبيعة، مذاقاً وطعماً ولوناً، عن طريق الخروج. والفلسطينيون، على اختلافهم، ممن تعرضوا للمحنة المُرّة، صهدتهم تجربة النزوح عن أرضهم والعيش في الشتات، وعلمتهم دروساً كثيرة؛ لعل أبرزها وأكثرها وضوحاً الدرس الذي يؤكد أن العيش في أرض وطنك، حتى بين أنقاض وركام وخرائب بيوت مهدمة، في مخيّم كبير، تحوّل بمرور السنين على أيدي العدو الإسرائيلي إلى أكبر سجن على وجه الأرض، يحمل معاني ومشاعر مختلفة عن العيش في أرض بلدان مجاورة، حتى إن تكلم أهلها اللغة نفسها وبلكنة مختلفة، أو في أرض بعيدة، وبلغة أعجمية. طريقُ العودة إلى شمال غزة، بلا مواربة، له معنى واحد: العودة إلى الوطن، مهما كانت حالته من السوء. تلك العودة لا يعرفها إلا من عاش وذاق طعم مرارة العيش لاجئاً، في غربة منافٍ بعيدة لا تريده، ولن تقبل به، فما بالك أن تُحبّه.

من أهم وظائف الصور، الثابت منها والمتحرك، أنّها توثق لحظات مهمة، في تاريخ فرد أو جماعة، أو أرض وبلاد، أو شعب وأمة. وبالطبع، المقصود بالتوثيق لحظات الفرح والحزن، لحظات النصر والهزيمة. والصور التي شاهدناها على شاشات القنوات التلفزيونية، في الأسبوع الماضي، لرجال ونساء وأطفال وشيوخ وعجزة، وهم يحملون في أياديهم، وعلى ظهورهم، ما بقي لهم من متاعٍ قليل، تسجّل، في رأيي، لحظة تاريخية؛ لحظة فرح وانتصار ضد عدو ومخطط جهنمي، يسعى إلى استبدال شعب بآخر، ولغة بأخرى، ودين بدين وتاريخ بتاريخ، وتوثّق بوضوح التغيير الذي أحدثته تجربة النزوح والشتات على عقلية الفلسطيني، الذي عاش نازحاً في مخيمات قطاع غزة أو في الضفة الغربية بعد محنة عام 1948، وهو العام الذي يعلّم لتأسيس دولة إسرائيل.

التغيير الذي يمكننا رصده، هو التشبّث بالأرض بقوة، والبقاء في وطن يسعى مستوطنون إلى ابتلاعه قطعة قطعة، جاءوا من مختلف بقاع الأرض، عازمين على اقتلاع الفلسطيني من جذوره.

العودة إلى شمال غزّة تعدّ تاريخية بمختلف المعايير والمقاييس، كونها حدثت مباشرة بعد توقف مؤقت لحرب إبادة جماعية دامت 15 شهراً، وتعدّ الأطول في تاريخ الحروب مع العدو الإسرائيلي، واستهدفت القضاء على البشر، وتدمير البنيان وتحويله إلى تراب، إلا أنّها فشلت في تحقيق الهدف، وبشهادات الأعداء قبل الأصدقاء؛ بل وأفلحت في شقّ صفوف العدو الإسرائيلي، وأدّتْ إلى استقالة الغلاة من قادة التطرف من الائتلاف الحكومي. ونجحت في لفت أنظار الرأي العام العالمي وتغييره، خلال 15 شهراً من الصمود والمعاناة ضد أعتى الجيوش المسلحة بأعتى أنواع الأسلحة.

وشاهدنا على شاشات مختلف القنوات التلفزيونية حدوث ما لم يكن متوقعاً في حسابات العدو الإسرائيلي وحلفائه، حيث انبثقت هادرة موجات التعاطف الشعبي الدولي مع الفلسطينيين في قطاع غزّة، والفلسطينيين عموماً، وبشكل غير مسبوق.

الآن، وقد عاد الآلاف من سكان شمال غزة إلى أرضهم، التي أجبروا بقوة السلاح على مغادرتها، تبيّن للجميع أن الفلسطيني في عام 2025 ليس الفلسطيني في عام 1948. وتحوّلت الكُرة من نصف الملعب الفلسطيني إلى الجزء الآخر من الملعب، حيث تتخندق أعتى آلة عسكرية، وأعتى عقلية استعمارية استيطانية، مدعومة بقوى دولية نووية. وتأكد للمتطرفين في إسرائيل ولحلفائهم في الغرب أن الفلسطينيين لن يقبلوا مرّة ثانية ببلع طعم النزوح والإذعان إلى العيش غرباء في منافٍ لا تريدهم، وأنه ليس أمامهم سوى التعامل مع هذه الحقيقة بعقلية وبعينين مختلفتين، وأنّه مهما طال الوقت والمماحكات والحروب والقتل والدمار، فإن الفلسطيني باقٍ، وعازمٌ على الاحتفاظ بما تبقى فوق رأسه من سماء، مهما كانت صغيرة الحجم، وأن خيار الدولة الفلسطينية المستقلة ليس له من بديل.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

لا بديل عن قيام دولة فلسطينية لا بديل عن قيام دولة فلسطينية



GMT 02:18 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

لعنةُ إبادة غزة وارتداداتُها

GMT 02:16 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

فارق الوقت وفالق الزلازل

GMT 02:13 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

لنعدّ أنفسنا لواقع جديد!

GMT 02:12 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

نندم... لكنْ ماذا بعد الندم؟

GMT 02:11 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

عامٌ خامسٌ من الحربِ ولا سَلامَ في الأفق

GMT 02:10 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

رمضان والمجتمع

GMT 02:09 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

متحف الأوهام

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 22:37 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:30 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الأسد الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:31 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج العذراء الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:27 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الجوزاء الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 13:47 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العذراء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 03:52 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

هل تدريس الرياضيات يحسّن من مستوى الطلبة؟

GMT 07:40 2025 الإثنين ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

موعد مباراة بلغاريا وجورجيا في تصفيات كأس العالم 2026
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt