توقيت القاهرة المحلي 18:24:24 آخر تحديث
  مصر اليوم -

مدٌّ يميني في ألمانيا

  مصر اليوم -

مدٌّ يميني في ألمانيا

بقلم : جمعة بوكليب

يوم الأحد الماضي جرت انتخابات في ولاية «ساكسوني- أنهالت» الألمانية، خلالها تمكَّن حزب يميني متشدد هو «حزب البديل لأجل ألمانيا» من تحقيق نصر انتخابي عُدَّ تاريخياً، وفاز بنسبة أصوات بلغت قرابة 45 في المائة، وترجم ذلك برلمانياً حصوله على عدد 39 من مجموع 83 مقعداً في برلمان المقاطعة، أي بنقص 3 مقاعد عن حيازة الأغلبية.

الفوز الانتخابي عدّه بعض المعلقين في أوروبا زلزالاً سياسياً. الوصف في تقديري مبالغ فيه، لأن الزلازل في الطبيعة أو في السياسة تكون في أغلب الأحوال مفاجئة، مهما تعددت وسائل الرصد الإلكترونية. على سبيل المثال، العالم لم ينسَ بعد زلزال «بريكست» في عام 2016. كانت كل المؤشرات واستطلاعات الرأي العام تسير في اتجاه البقاء، ثم حدث العكس.

ما حدث في تلك المقاطعة لم يكن مفاجئاً. كانت الكتابة واضحة وبخط كبير على الحائط، ورغم ذلك، وقف المستشار الألماني فريديريش ميرتس بعد ظهور النتائج مصرّحاً لوسائل الإعلام بأنه لم يكن يتوقع حدوث ما حدث! وللعلم، أقام الحزب اليميني في اليوم السابق للانتخابات حفلاً شعبياً كبيراً، كأنه احتفال بالفوز. أضف إلى ذلك أن نتائج استطلاعات الرأي العام كانت تؤكد فوز الحزب.

يمكن القول إن الحزب اليميني لم يفز بالانتخابات بقدر ما فشلت الأحزاب التقليدية الأخرى في الإعداد لها من خلال إحداث تغيير في سياساتها. الذين تابعوا الانتخابات النيابية البريطانية في صيف عام 2024، التي جاءت بالعماليين إلى الحكم بأغلبية برلمانية كبيرة، ربما ما زالوا يتذكرون أن العماليين، وفق أغلب المعلقين، لم يفوزوا بجدارة بالانتخابات، بل فشل حزب المحافظين وانقسامه وما رافق ذلك من فساد وفضائح كان وراء الفوز العمالي.

أحزاب اليمين المتشدد الشعبوية في أوروبا المناوئة للهجرة والمهاجرين لم تعد هامشية منذ عام 2015، بل صارت تفرض الأجندة السياسية في الساحات التي توجد فيها. ولعل أفضل مثال على ذلك حزب «الإصلاح البريطاني» في مرحلة ما بعد «بريكست 2016».

ولاية «ساكسوني-أنهالت» واحدة من المقاطعات التي تتكوّن منها الفيدرالية الألمانية، بعدد سكان يصل إلى 2.1 مليون نسمة، وتقع في الجزء الشرقي؛ أي أنها كانت جزءاً من جمهورية ألمانيا الاشتراكية التي عُرفت باسم ألمانيا الشرقية، واختار أكثرية ناخبيها التصويت لحزب يميني متشدد. وهذا يفضي إلى سؤال ظل يتأرجح كبندول، جيئة وذهاباً، بحثاً عن إجابة: لماذا تنجح أحزاب اليمين المتشدد بشكل لافت في أغلب البلدان التي كانت تدور يوماً داخل المدار الاشتراكي السوفياتي؟

ألمانيا الشرقية سابقاً، وبولندا، والمجر، وأجزاء من النمسا القريبة من ذلك المدار، تشهد كلها صعوداً يمينياً متشدداً يفوق نظيره في أوروبا الغربية. تفسير ذلك، في رأيي، لا ينفصل عن عقود العزلة السياسية والثقافية التي عاشتها هذه المجتمعات تحت الحكم الشيوعي، وضعف تجربتها مع التعددية والانفتاح الديمغرافي مقارنة بجاراتها الغربية، فضلاً عن الصدمة الاقتصادية والهُوياتية التي أعقبت سقوط جدار برلين وإعادة التوحيد. هذا لا يعني أن بلداناً من الضفة الأخرى، خارج ذلك المدار، نجت من الوقوع في المصير نفسه. الفرق هو أن بلدان غرب أوروبا ظلت، بحكم خلفيتها الرأسمالية الليبرالية، أكثر انفتاحاً سياسياً وثقافياً وديمغرافياً عند المقارنة ببلدان المنظومة الشرقية سابقاً، وإن لم تخلُ بدورها من المتطرفين.

نجاح حزب «البديل من أجل ألمانيا» نذيرٌ لبقية الحكومات والأحزاب في بلدان أوروبا الأخرى، آخذين في الاعتبار ما تنشره تباعاً استطلاعات الرأي العام هذه الأيام من نتائج في فرنسا عن احتمال وصول حزب «التجمع الوطني» بقيادة مارين لوبان إلى الحكم في شهر أبريل (نيسان) من العام المقبل.

وصول حزب مارين لوبان إلى قصر الإليزيه سيعجّل بدوره بوصول حليفها نايجل فاراج في بريطانيا إلى 10 داوننغ ستريت. كما أفضى سقوط إيطاليا في أيدي اليمين الشعبوي إلى زيادة زخم الدعم الشعبي لحزب «التجمع الوطني» في فرنسا، حتى أصبح أكبر حزب تحت قبة البرلمان. وها هم حالياً يبدون على بُعد مسافة شهور قليلة من أبواب قصر الإليزيه.

ربما يرى البعض في هذه القراءة مبالغة، محاججين أن ثمانين عاماً من الحكم الليبرالي والتسامح الثقافي والعرقي ليست بالتراث الذي يختفي بين عشية وضحاها، بل وربما يذهب آخرون أبعد من ذلك، فيرون أن وصف هذه الأحزاب بـ«المتشددة» فيه تسرّع، وأن صعودها ليس إلا تعبيراً ديمقراطياً مشروعاً عن مخاوف اقتصادية واجتماعية حقيقية لدى شرائح واسعة من الناخبين. هذا الرأي لا يخلو من وجاهة ومعقولية إلى حد ما. لكن أصحابه يتناسون أن النازيين والفاشيين وصلوا إلى الحكم عبر الصناديق، محمولين على أكتاف ناخبين محبطين كانت تعتريهم مخاوف اقتصادية واجتماعية. وأن شعوب العالم وأممه، وليس فقط ألمانيا وإيطاليا، هي التي دفعت الثمن باهظاً.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مدٌّ يميني في ألمانيا مدٌّ يميني في ألمانيا



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt