توقيت القاهرة المحلي 09:03:51 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الخادم «الصغيرون»

  مصر اليوم -

الخادم «الصغيرون»

بقلم - إنعام كجه جي

شاهدني جالسةً أمام الشاشةِ أكتبُ مقالاً. كنت أمرُّ بنزلةِ بردٍ والسعالُ يخنقني، وعلبةُ المناديلِ الورقية تتهافت تحتَ يدي. قرأت في نظرتِه تعبيراً يتراوح ما بين الشفقةِ والسخرية. قالَ لي إنَّ الصحافيين توقَّفوا عن تدبيجِ مقالاتٍ من وحي الخاطر. هل أعيشُ في العالم القديمِ ولم أنتبه للتقدّم الجاري على مرمَى حجرٍ منّي؟

زميلِي يسأل «تشات جي بي تي» عن أفضلِ طبيبٍ للأسنان في المدينة، وعن المعنَى العميق لمصطلح «الفاشينستا»، وعن طريقة طبخ الكبة الموصلية أو المندي اليمني. يعطيه فكرة ويطلب منه أن يصوغها مقالاً. وهو راضٍ ومسرورٌ بما يحصل عليه من خدمات. بلغ من رضاه أنَّه أطلق على ذلك التطبيق تسمية «الخادم الصغيرون».

لماذا لا يكون لي خادم، أيضاً، على الأقل حتى التعافي من هذه الوعكة العصيبة؟ طلبت من الذكاء الاصطناعي أن يكتب لي مقالة بحدود 400 كلمة عن تباشير الخريف واصفرار أوراق الشجر. وخلال دقيقة وصلني المطلوب. نص مكتوب بعربية لا يمكنني أن أنكر أنها سليمة، وموثق بمعلومات معقولة، تهبّ منه نسمات بحر بعيد وغيوم لطيفة ورفرفة نوارس.

لم أصدّق عينيّ وأنا خاشعة في حرم التكنولوجيا. كدت أبعث للذكاء الاصطناعي رسالة شكر وامتنان ونخدمكم في الأفراح. لكنني حين أعدت قراءة المقال المسلوق على عجل، خجلت أن أضع عليه توقيعي. ولم يكن ذلك من باب النزاهة والترفع عن التزوير، بل لأن أسلوب الذكاء الإلكتروني بلا روح.

وسألت نفسي: لو كنت المسؤولة عن التحرير، هل أنشر مقالاً رومانسياً حريرياً أملس مثل هذا؟ هناك دائماً من اعتاد مراوغاتي. يحتاج القماش الخام كثيراً من الصقل لكي يشفّ ويصبح حريراً. سيكشف اللعبة قارئ لبيب ويستغرب الغش المفضوح. وقد يعذر ويمر على النص مرور الكرام، في أفضل الأحوال، وفي أسوئها ينصرف دونما عودة.

تستهويني الروبوتات التي تهبّ لنجدة ربة البيت، وتؤدي لها مختلف الخدمات. تغسل الثياب. تعصرها وتجففها. تكوي القمصان وتطويها. تتحرك بمفردها وتدور لتكنس غرفة المعيشة. تحضّر قهوة الصباح. تُحمّص الخبز. تقطعه شرائح بسكين كهربائية. تطحن حبات الهيل. تحيل كتف الخروف إلى هبيط. تقلي أصابع البطاطا بالهواء. تملّس الشعر الأهوج. تقفل باب الشقة وتسدل الستائر وتطفئ الأنوار عند النوم. توقظك وقتما تريد على صوت فيروز أو حسين نعمة. ليت هناك إنساناً آلياً يلاعب الأحفاد ويدور بهم على ظهره «حمّال باشي».

هل أفرح إذا وضعني الروبوت على الرف واقتنص وظيفتي؟ رغم الحمى والسعال وتدميع العينين كنت سعيدة بالتجربة. ذلك أن غروري أوحى لي بأنني أستطيع، بقدراتي الطبيعية، أن أبزّ الذكاء الاصطناعي. ولا مانع عندي من دعوة السيد «تشات جي بي تي» وعائلته الكريمة إلى دورة تدريبية سريعة. ويُسمح باصطحاب الخادم الصغير.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الخادم «الصغيرون» الخادم «الصغيرون»



GMT 06:43 2026 الجمعة ,01 أيار / مايو

عودة التاج

GMT 06:39 2026 الجمعة ,01 أيار / مايو

إسرائيل الكبرى وإيران الكبرى

GMT 06:19 2026 الجمعة ,01 أيار / مايو

مراجعات الأولويات أولاً!

GMT 06:16 2026 الجمعة ,01 أيار / مايو

الإنسان أولًا ومصر لم تكن أبدًا «ريعية»

GMT 06:14 2026 الجمعة ,01 أيار / مايو

لبنان يهرول

GMT 06:12 2026 الجمعة ,01 أيار / مايو

خطاب ملك فى زمن ضجيج

GMT 06:11 2026 الجمعة ,01 أيار / مايو

مطعمها حرام

أناقة درة في ربيع 2026 تجمع بين البساطة والراحة

تونس ـ مصر اليوم

GMT 22:42 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

روبوتات نانوية لتوصيل الدواء داخل جسم الإنسان

GMT 10:16 2017 الجمعة ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

عندما يزهر الخريف

GMT 08:03 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

مبابي يتقدم على أبرز المهاجمين في السباق نحو الحذاء الذهبي

GMT 21:46 2018 الأربعاء ,31 تشرين الأول / أكتوبر

ساندي تتعرض لإصابة أثناء تصوير مشاهد فيلم "عيش حياتك"

GMT 19:38 2017 الخميس ,05 تشرين الأول / أكتوبر

سعر الجنيه السوداني مقابل الجنية المصري الخميس

GMT 19:14 2016 الخميس ,18 شباط / فبراير

اصابة شريف إكرامي بشد في العضلة الخلفية

GMT 04:21 2017 الثلاثاء ,14 شباط / فبراير

شركة "جاكوار" تقدم السيارة الجديدة "F-PACE" الفارهة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt