توقيت القاهرة المحلي 12:09:48 آخر تحديث
  مصر اليوم -

4 أيام من دون أمِّي

  مصر اليوم -

4 أيام من دون أمِّي

بقلم : إنعام كجه جي

طَبَختْ أماني «حلَّة مكرونة بالفلفل الحارِّ» وغادرت بيتَها. والبيتُ ليسَ سوى شقة متواضعة في أطراف باريس، تجمعُها معَ زوجِها هادي وابنِها سلمان. خرجتْ واختفتْ وتركتْ ورقة خربشتْ عليهَا: «كانَ عليَّ أن أذهبَ لكنَّني سَأعود».

يحدث كثيراً في فرنسا أن يقرِّر أشخاصٌ بالغونَ تركَ بيتِ العائلة، والانطلاقَ لبدء حياة جديدة. خمسة آلافِ رجل وامرأة تقريباً كلَّ عام. لا تتدخَّلُ الشُّرطة للبحثِ عنهم ما دامت لا تتوفَّر عناصرُ مريبة. غير أنَّ أماني القمودي ليست شابة هوائية. هي ربَّة بيتٍ تونسية في السَّابعة والسِّتين. تقاعدت من العملِ بعد خدمة مضنية في البيوت. أينَ يمكن لوالدة عربية تقليدية أن تذهب؟

هذا ما تحاول الإجابة عنه رواية جديدة صادرة بالفرنسية، بعنوان «أربعة أيام من دون أمِّي». إنَّها الرواية الأولى للصحافي التونسي رمسيس كافي. والرَّاوي هو الابن سلمان. شابٌّ يعمل في مطعم للوجبات السريعة، ويمضي لياليه مع أصدقائه في مرأب البناية. وهو يسكنُ مع والديه رغم تجاوزِه السَّادسة والثلاثين. وفي حين حاولَ الأب التأقلمَ مع غياب زوجتِه، خلعَ خاتم الزواج وأعادَ ترتيب الأثاث، فإنَّ الابنَ يفتقد الأمَّ مثل طفلٍ مفطوم. يريد أن يفهمَ سبب تركِها للبيت. وسيكون بحثُه عنها فرصة للتعرف على ماضي أسرتِه ولاكتشافِ نفسه. غيابُها سيرمم صلتَه بها.

يفتِّشُ سلمانُ في حاجياتِها القلائل وصورِها، ويسائل قطتَها المنزلية. يستعيدُ صمتَها الطويلَ واستسلامَها خلال كل ما فاتَ من سنوات. امرأة مهاجرة منزوعة من جذورها، مغلوبة على أمرها، مارست فضيلة الصمت، وكدحت دون مذلَّة الشكوى. كائنة غيرُ مرئية، يعيدُ المؤلفُ الاعتبارَ لها في نصٍّ حميمٍ يشبه رسالة حبٍّ متأخرة إلى امرأة معلومة مجهولة.

يكتبُ رمسيس كافي من دون تعقيدٍ وبحساسية تكاد تكون أنثوية. ومثل كلِّ الروايات الأولى يشعر القارئ بأنَّه يروي حياتَه. وبتلكَ البساطة في التعبير عن المشاعر الدفينة، لفتتِ الرواية انتباهَ الصحافة والنقاد.

تغيبُ الأم فيولد الحديث، للمرة الأولى، بين الأب والابن. الأب يتيمٌ هاجرَ شاباً من بلدة عين ثعالب في تونس، وعاهدَ نفسَه ألا يعود إليها، وألا يتكلَّم بالعربية بعدها. هناك حدثٌ جللٌ دفعه للهروب. ولكن رائحة تلك البلادِ ولهجتَها كمنتَا له في مقاهِي باريس. ومن تلك المرويَّات الضَّبابية للأبِ المقهور تتَّضح الصورة وتستردُّ أماني مبرِّراتِ خروجِها. هل نقول نشوزها؟

يقولُ له: «مجيئك إلى الدنيا لم يكن سهلاً. لطالما صلَّينا أنا ووالدتك. فلمَّا وُلدتَ لم يعد يهمُّنا سوى الحاضرِ والمستقبل. ولكن الماضي له رأسٌ عنيدٌ مثل رجل عربيٍّ». كانت أمُّه قد حكت له أكثرَ من مرَّة أنَّها اشتهت بعد انتهاء الطلق فطيرة بالزبدة. ولم يكن ذلك النوع متوفراً في الضَّاحية. وأخذ أبوه سيارة أجرة وذهبَ إلى باريس ليأتي لها بها. ولكن الحكاية كانت ناقصة. وها هو الأبُ يكملها بأسًى: «كنتُ في طريقِ العودة متوتراً، فالتهمتُ الفطيرة وعدتُ لأمِّك بكيسٍ ورقي مليءٍ بالفتات».

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

4 أيام من دون أمِّي 4 أيام من دون أمِّي



GMT 04:20 2026 الأحد ,15 آذار/ مارس

النفط ضاحكاً

GMT 04:18 2026 الأحد ,15 آذار/ مارس

فكرة «الناتو الخليجي»

GMT 04:16 2026 الأحد ,15 آذار/ مارس

هل يعيش لبنان الآن فرصته الأخيرة؟

GMT 04:14 2026 الأحد ,15 آذار/ مارس

تأمّلات في الحالة اللبنانيّة الراهنة

GMT 04:12 2026 الأحد ,15 آذار/ مارس

نكبة النزوح

GMT 04:11 2026 الأحد ,15 آذار/ مارس

هرمز في الواجهة

GMT 04:09 2026 الأحد ,15 آذار/ مارس

رمضان والسياسة

GMT 04:07 2026 الأحد ,15 آذار/ مارس

الرسام وراءك

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 22:42 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

روبوتات نانوية لتوصيل الدواء داخل جسم الإنسان

GMT 08:46 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

أجمل الوجهات السياحية للعرسان في مالطا

GMT 23:32 2018 الأربعاء ,14 تشرين الثاني / نوفمبر

سعد الصغير يكشف في "تخاريف" أسرار جديدة عن حياته الفنية

GMT 18:34 2018 الإثنين ,15 تشرين الأول / أكتوبر

حسن الرداد ينفي خبر حمل زوجته الفنانة إيمي سمير غانم
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt