توقيت القاهرة المحلي 02:01:49 آخر تحديث
  مصر اليوم -

على هامش «الدهشة»!

  مصر اليوم -

على هامش «الدهشة»

بقلم : فاطمة ناعوت

فى تزامن «مدهش»، أُذيعت حلقَتِى من برنامج «سِجال»، على قناة العربية، فى نفس توقيت نشر مقالى «أندهشُ حين لا أندهشُ»، بنافذتى هنا بجريدة «المصرى اليوم». وجهُ الدهشة جاء من سؤال الإعلامى «مشارى الزايدى» عن الدكتورة «نوال السعداوى» وموقعها كأديبة وطبيبة ومفكرة وحقوقية، وإجابتى أنها أشهرت «حقَّ السؤال» فى وجوه مَن يرفضون التساؤل، لاسيّما إذا صدرَ من «امرأة». وكان صدى المقال والحلقة واسعًا على نحو غريب، وكأن «الدهشة» تبحثُ عن لحظتها.

والحقُّ أننى أؤمن أن لا كرامة دون حرية، ولا حرية دون معرفة، ولا معرفة دون عقل، ولا عقل دون سؤال. فالعقلُ البشرى مجبولٌ على «السؤال»، الذى لولاه مع عَمّرنا الكونَ بالحضارات، ولا اخترعنا ولا أبدعنا. نحن الجنسَ البشرى، أهدانا اللهُ «العقلَ»، وهو «جوهرة الترقّى، وأداة السؤال».

من بين أجمل ما وردنى من تعليقاتٍ على المقال والحلقة، كانت كلمة الدكتور «عبد الفتاح يوسف»، أستاذ الأدب العربى القديم، بكلية الآداب «جامعة البحرين». كتب يقول:

(أشكرك على مقالك الرائع عن الدهشة، فقد أثار دهشتى كعادتى عن قراءة كل مقال يتناول حدثًا بسيطًا فيحوّله إلى حدثٍ عظيم؛ لأنى اعتدتُ الاندهاش من أجل المعرفة لذاتها. وهذا ما أكّدته «جان هرش» Jeanne Hersch فى كتابها Introduction à la Philosophie الذى تُرجم للعربية: «الدهشة الفلسفيّة»، فقالت إن الدّهشة هى شرط الوجود الإنسانى. لذا أندهشُ كل يوم، كى أشعرَ بوجودى كإنسان. أندهشُ من الذين لا يجدون حولهم شيئًا غامضًا! أندهشُ وأتحسّر على الذين لم يعرفوا مَلكَة التأمّل ويكررون عبارة: «لا شىء يستحق التفكير!» وأتذكر مقولة شوبنهاور الشهيرة: «كلّما قلّ حظّ المرء من الذّكاء، بدا له الوجودُ أقلّ غموضًا». والعجيبُ أن الأطفال يندهشون أكثر مما يندهش الكبار! هل لأنهم مازالوا يحتفظون بإنسانيتهم؟ وما أثار دهشتى أثناء قراءة مقالك أننى منشغلٌ فى كتابى الجديد بالأفكار المدهشة فى نصوص الشعر العربى القديم، وأثناء تأصيلى لفكرة الدّهشة اكتشفتُ أن الإنسان عرف الفلسفةَ عن طريق الدهشة، وأن المرأة كانت قاسمًا مشتركًا لإثارة الدّهشة. فتقول الحكاية إن الفيلسوف «طاليس» كان يسير ناظرًا إلى السّماء يتأمّل النجوم والقمر، فسقط فى حفرة. فأرسلت امرأةٌ ضحكة عالية وقالت: أنّى لك يا طاليس معرفة ما يحدث فى السّماء وأنت لا ترى تحت قدميك؟!» فاعتبر المؤرّخون أن ضحكةَ تلك المرأة «بذرة الفلسفة الأولى». الاندهاش تفاعل روحانى وعقلى مع الأشياء. تفاعل مع المألوف والغريب، مع المعقول واللامعقول، تفاعل يُغيّر من حال الإنسان فيجعله أكثر سعادة لأنه يستمتع بالاكتشاف، فحياة الإنسان تصبح بلا معنى عندما يكفّ عن الدهشة، سُعداء حقًا من يعرفون الدّهشة).

انتهت كلمةُ أستاذ الأدب القديم، لكنها فتحت نوافذَ جديدة للدهشة والسؤال، تؤكده مقولات خالدة لفلاسفة قَدامى مثل «أرسطو»: «الفلسفة تبدأ بالدهشة»، «أفلاطون»: «الدهشة هى شعورُ الفيلسوف الحقيقى، وليس للفلسفة بدايةٌ غير هذا»، «ديكارت»: «الدهشةُ أول الانفعالات، ومنها تتولّد جميع الانفعالات الأخرى»، «نيتشه»: «أعمقُ الأفكار تُولد من لحظة دهشةٍ يختلُّ فيها كلُّ ما نعرف»، «الفارابى»: «يتحرك الفكرُ من الدهشة»، «ابن سينا»: «أولَ ما يُحرّك النفسَ إلى طلب العلم هو الحَيرة»، «ابن رشد»: «يبدأ النظرُ بالتحيّر؛ فهو أولُ الفكر»، «الغزالى»: «حين حصلت الحيرةُ، انحلّ عنى عهدُ التقليد»، «الجاحظ»: «العجبُ يحُثّ على التبيّن، ويبعث على النظر»، «ابن عربى»: «العجبُ بابٌ من أبواب الكشف»، «ابن خلدون»: «النفسُ إذا عَرَض لها الغريبُ، انتبهتْ»، «هايدجر»: «الدهشةُ هى انكشافُ الوجود فى لحظته الأولى»، «ألفريد وايتهيد»: «الفلسفة تبدأ بالدهشة، وتنتهى بالدهشة أيضًا»، ليعيد مقولةَ «أرسطو» فى صياغة دائرية. وأما السويسرية «جان هرش»، فقالت فى كتابها آنفِ الذكر، فأكدّت الفكرةَ بقولها: «الدهشة ليست مجرد سؤال، بل هى توقُ الإنسانِ الدائمُ إلى أن يفهم مكانه فى العالم. فالدهشةُ ليست فضولًا عابرًا، لكنها صدمة وجودية، لحظة نقف فيها أمام العالم ونقول لأنفسنا: «ما هذا؟ ولماذا هو هكذا؟ ولماذا أنا هنا؟»، الفلسفة ليست تراكمَ معلومات بل موقفٌ وجودى، وطريقةٌ فى النظر، فالإنسان كائن لا يتوقف عن السؤال؛ ولو توقف، ينطفئ داخله ما يجعلنا بشرًا. مَن يندهش يملك خيط التفكير الحر، ومن يفقد الدهشة يصبح مجرد تكرار لغيره».

وأما ضحكة المرأة على «طاليس»، أول فلاسفة اليونان، حين وقع فى البئر، فقد غدت رمزًا شغل ضمير الفلاسفة. فالفيلسوف يرى ما لا يراه الآخرون، وأما «ضحكة المرأة الساخرة» فتمثّل المجتمع الذى يُدين مَن يفكِّر ويُكفّره. الفيلسوفُ يتعثّر فى العالم ويقع فى الحُفَر، لأنه يرى ما وراء العالم. والناسُ يضحكون عليه لأنهم ينظرون إلى الحفرة ومواطئ القدم. الضحكة الساخرة تؤكد أن هناك بشرًا مشغولين بالخبز والحفر، وآخرين مشغولين بالنجوم ومواقعها.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

على هامش «الدهشة» على هامش «الدهشة»



GMT 05:25 2026 الإثنين ,09 آذار/ مارس

ترامب فى قبضة الشيطان

GMT 05:24 2026 الإثنين ,09 آذار/ مارس

مَن علّمَ الفتى أن يكره؟!

GMT 05:22 2026 الإثنين ,09 آذار/ مارس

اللون الأزرق والتوحد

GMT 05:21 2026 الإثنين ,09 آذار/ مارس

إفطار جمعية الإعلاميين!

GMT 05:20 2026 الإثنين ,09 آذار/ مارس

اعتذار الصواريخ رسالة تهدئة أم مناورة؟

GMT 05:19 2026 الإثنين ,09 آذار/ مارس

كراهية البشر والحجر

GMT 05:18 2026 الإثنين ,09 آذار/ مارس

ترامب يتحسس مقعده

GMT 05:17 2026 الإثنين ,09 آذار/ مارس

فرصة أخيرة) ولماذا حذف اسمى «حميدة ولطفى»؟!

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 11:54 2024 الإثنين ,06 أيار / مايو

أحذية لا غنى عنها في موسم هذا الصيف

GMT 11:06 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الجدي السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025

GMT 05:00 2025 الثلاثاء ,08 تموز / يوليو

بوجاتي تشيرون الخارقة في مواجهة مع مكوك فضاء

GMT 09:55 2025 الثلاثاء ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

تعقيدات قواعد المجوهرات في العمل

GMT 01:45 2022 الأربعاء ,14 أيلول / سبتمبر

فراس شواط يدعم صفوف الإسماعيلي لـ 3 مواسم

GMT 01:06 2021 الأربعاء ,09 حزيران / يونيو

تسريبات جديدة تكشف مواصفات هاتف سامسونج Galaxy M32

GMT 06:31 2020 الخميس ,11 حزيران / يونيو

آسر ياسين يحذر من عملية نصب على طريقة "بـ100 وش"
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt