توقيت القاهرة المحلي 19:12:01 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الأمهاتُ... ساكباتُ الطِيْب

  مصر اليوم -

الأمهاتُ ساكباتُ الطِيْب

بقلم: فاطمة ناعوت

الأمهاتُ اللواتى

حين يرحلنَ إلى رحابِ الله،

تَنبتُ الزهورُ على حوافِّ النوافذِ،

وتبتسمُ السماءُ،

حين تهمسُ الملائكةُ للصغار:

لا تبكوا،

فالجميلاتُ قد وصلنَ ديارَنا فى سلام،

وهُنَّ الآن مشغولاتٌ

بسكبِ الطِيْبِ فى أركانِ الجنّة،

مثلما كُنَّ يسكبنه فى أرضكم.

ليس أجملَ من مشهدِ ابنٍ يقفُ جوارَ نعشِ أمّه، يمَسُّه بيده ليطمئنَ، مثلما كان يطمئنُ حين تمسكُ يدَه طفلا فى طريق المدرسة. يكبح دموعَه، ويحكى كيف كانت تسكبُ الطِيْبَ فوق رؤوس أطفالها، ليصيروا أنفسُهم الطِيْبَ الطَّيّبَ الذى يتفرّعُ من شجرتها. طِيبُ الأمهات هو تعليمُ الصغار أن يعيشوا بالمحبة لجميع خلق الله دون تمييز. الأمُّ التى تعلّم أبناءها كيف يجولون فى طرقات الحياة يصنعون الخيرَ، تشبه تلك المرأةَ التى سكبت قارورةَ طِيْبٍ نفيسٍ تحت قدمى السيد المسيح عليه السلام، ولما نهرها الناسُ لأن بثمن العطر المسكوب كان يمكن إطعامُ فقراءَ كثيرين، دافع عنها السيدُ المسيح لأنها بفعلتها صنعت رمزًا يُطوِّبُ القدمين الطاهرتين اللتين تجولان تصنعان الخيرَ لفقراء الأرض والمنبوذين

هكذا كانت الأم العظيمة «مارجريت توفيق»، والدة أصدقائى: الفنان «هانى رمزي»، الدكتور «إيهاب رمزى»، المستشار «أمير رمزى»، والمحامية «نهال رمزي»، التى رحلت بالأمس بعدما تركت طِيبًا كثيرًا تجلّى فى أبنائها الذين أنشأوا مؤسسة «راعى مصر» لخدمة الفقراء دون خطّ الفقر فى جنوب مصر من المسلمين والمسيحيين دون تمييز. ورغم مشاغلهم فى القضاء والبرلمان والمحاماة والفن، نذروا حياتهم من أجل المأزومين، كما علّمتهم أمُّهم الفاضلة، ووالدهم الراحل المستشار «عادل رمزى حنّا» المحامى الشهير ونقيب المحامين بالمنيا. الطِيْبُ، فى جوهره، هو تربية الأبناء على الرحمة والصلاح، وأن يبذلوا أنفسهم من أجل غيرهم، ذاك هو العطرُ الذى لا يجفُّ. وبهذا المعنى فإن تلك الأمُّ الجميلة لم ترحل، هى فقط غيّرت عنوانها، لأنها موجودةٌ فى طِيبها الذى أنبت أولادًا وبناتٍ يشرّفون مواقعهم فى الوطن، ولا يتوقفون عن الخدمة المجتمعية الرفيعة، «من ثمارهم تعرفونهم».

فى صلاة جنازتها حكى الأب «داود لمعي» بعض مآثر الراحلة الجميلة، واختتم كلمته الجميلة بأن الأرضَ قد تنسى الطِيْبَ، لكن السماءَ أبدًا لا تنسى. لهذا لم يكن فى قاعة الكنيسة موضعُ قدمٍ لأن للراحلة أياديَ بيضاءَ ونفحاتِ عطرٍ فى كل مكان. فى كلمتها، قالت ابنتها «نهال» وصوتُها يُشرقُ بالدمع، إن أمّها كانت المدرسة التى علّمتهم المحبة والعطاء والتواضع. كانت تقوم بتنظيف نجف الكنيسة بنفسها حتى تعلّم أطفالها التواضع والعمل. كما علمتهم أن يروا فى كل محتاج فرصة للعطاء ليكون الإنسانُ إنسانًا. ثم شكرت زوجات أشقائها الجميلات: «منى- عبير- ليديا» لأنهن كُنّ لوالدتها بمثابة البنات البارّات. وقال المستشار «أمير» إنه فى السنوات الأخيرة لاحظ أن والدته لم تعد تتحلّى بمجوهراتها؛ ولما سألها أخبرته أنها باعتها كلَّها لتساعد الفقراء،لأنها أرادت أن تذهب إلى السماء خفيفةً بلا زينةٍ ولا ثراء. وحكى عن واقعة مدهشة حين كانت فى زيارة للمنيا/ بنى مزار، وطرقت باب أحد بيوت القرية لتدخل الحمّام، فأخبرتها ربّةُ البيت أن لا دورة مياه فى بيتها. فما كان من السيدة «مارجريت» إلا أن شيدت لها دورة مياة جميلة، دون صخب وفى الخفاء. وفى عيد الأم كل عام يسألُها أبناؤها عمّ يجلبون لها من هدايا، ودائمًا ما تكون إجابتُها: «اجمعوا من بعض وجهّزوا عروسة فقيرة». وكانت وصيتُها الأخيرة لأبنائها قبل أن تذهب إلى السماء: «خدوا بالكوا من الغلابة والأيتام والأرامل». وحين تأكد لها أن موعد لقائها بالله قد حلَّ، طلبت منهم أن يوزعوا على المُمشيعين فى عزائها هدايا «بابا نويل»، حتى يقترن رحيلُها بفرحة العام الجديد، لا بالدموع.

هكذا الأمهاتُ ساكبات الطِيْب. رحيلُهنّ ليس نهاية الحكاية، بل بدايتُها الأصدق. فى فلسفة أخلاقيات الفضيلة Virtue Ethics، لا يُقاس الفعلُ الأخلاقى كحادثة منفردة، بل بوصفه عادةً متراكمة تُشكِّل طبيعةَ الإنسان. الأمُّ الحقيقية تصهر نفوسَ أولادها كما يُصهر الذهبُ الذى يشعُّ فى وجوه الناس محبةً وخدمةً وعطاءً. الأمُّ الكريمة لا تكتفى بصنع الأفعال الطيبة، بل تصنعُ أبناء طيبين يجولون يصنعون الخير وينثرون العطرَ والطِيْبَ أينما حلّوا. فالعالم لا يتغيّر للأجمل بالضجيج والصخب، بل بالأثر الصامت المتراكم. أُعزّى أصدقائى الغالين لأننى أعلمُ حجمَ الوجع الذى يضربُ القلب حين تطير أمهاتُنا للسماء وأيادينا لا تزال مُعلّقةَ فى أطراف أثوابهن. لكنّ عزاءهم أنها الآن تسكبُ الطيب فى السماء، ليهمى على رؤوسهم ندىً وقطراتِ مطرٍ عطِر، لا يخبو شذاه.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الأمهاتُ ساكباتُ الطِيْب الأمهاتُ ساكباتُ الطِيْب



GMT 07:29 2026 الخميس ,14 أيار / مايو

الفلسطينيون ومتاعب نظامهم «المزدوج»

GMT 07:16 2026 الخميس ,14 أيار / مايو

متحف الوطن العربي

GMT 07:03 2026 الخميس ,14 أيار / مايو

اطبع واقتل!

GMT 05:16 2026 الخميس ,14 أيار / مايو

أزمة ثقة تطيح بالطبقة السياسية التقليدية

GMT 05:14 2026 الخميس ,14 أيار / مايو

إصلاح النظام العالمي!

النجمات العربيات يخطفن الأنظار في افتتاح مهرجان كان 2026

باريس ـ مصر اليوم

GMT 09:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج القوس الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 06:05 2018 الجمعة ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الخارجية التركية تستدعي خلفية لمعرفة مصير جمال الخاشقجي

GMT 09:56 2026 الثلاثاء ,06 كانون الثاني / يناير

وفاة مؤثرة إيطالية بعد خضوعها لإجراء تجميلي في موسكو

GMT 04:23 2020 الثلاثاء ,14 تموز / يوليو

طريقة تحضير فول بالبيض

GMT 03:05 2018 الخميس ,22 تشرين الثاني / نوفمبر

هند صبري تُؤكِّد سعادتها بالاشتراك في "الفيل الأزرق 2"

GMT 20:53 2018 الأربعاء ,03 تشرين الأول / أكتوبر

أجاج يؤكد أن السيارات الكهربائية ستتفوق على فورمولا 1

GMT 17:24 2021 الخميس ,02 أيلول / سبتمبر

استبعاد رمضان صبحي من بعثة المنتخب بسبب الإصابة

GMT 20:26 2021 الأحد ,24 كانون الثاني / يناير

أجمل أماكن سياحية في السودة السعودية

GMT 00:31 2021 السبت ,23 كانون الثاني / يناير

إدج كريك سايد يفتتح أبوابه في خور دبي

GMT 09:35 2020 الجمعة ,18 كانون الأول / ديسمبر

السعيد تؤكّد 3.5% معدلات النمو المتوقعة خلال 2020 -2021
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt