توقيت القاهرة المحلي 22:24:44 آخر تحديث
  مصر اليوم -

«ولنا في الخيال حبٌّ».. السينما في أَوْجِها

  مصر اليوم -

«ولنا في الخيال حبٌّ» السينما في أَوْجِها

بقلم : فاطمة ناعوت

منذ مدةٍ طويلة لم أشاهد فيلمًا بكل هذى العذوبة والجمال والاكتمال الفنى. هناك أفلامٌ نخرج منها كما دخلناها. وأفلام أخرى تخرج بنا لا منّا؛ تخزُ القلبَ وتُغيّر إيقاعَ خفقه، وتوقظُ فينا ما ظنناه قد انطفأ. فيلم «ولنا فى الخيال حبٌّ» ينتمى إلى النوع الثانى النادر: الدراما التى تُعيد للسينما معناها الأول: أن تنحتَ العقلَ وتُزلزلَ الروحَ وتُعدِّل وضعَ المنظار فوق عيوننا لنرى الأشياء بطريقة لم نرها من قبل. منذ المشهد الافتتاحى تصافحك لوحة «ليلة تضيئها النجوم» Starry Night مرسومة على اللحاف والحوائط والملابس، فتشعر أنك على وشك مصافحة الجنون الذى ضرب «فان جوخ» فأبدع كل هذا الجمال: حيث النجوم وقد تحولت إلى شموس صفراء متوهجة تغزو سماء زرقاء داكنة، ورغم دوامات الشموس الكثيرة المتوهجة، يظلُّ الليلُ ليلا والظلامُ ظلامًا، ويظلُّ الحزنُ حزنًا يُطلُّ عليه الفرحُ كومضات مشرقة خاطفة. تمامًا مثلما يظلُّ «الخيالُ» أرجوحةً ترفعنا للسماء تارةً، وتحطُّ بنا على الأرض تارة.

ظلَّ التصفيقُ مستمرًا دقائق طوالا بعدما شاهدنا الفيلم فى العرض الخاص أمس الأول خلال «مهرجان الجونة» للسينما، مع نجومه: «أحمد السعدنى»، «عمر رزيق»، «مايان السيد»، والمخرجة المدهشة «سارة رزيق» التى أبدعت فى فيلمها الطويل الأول. فى كتيب المهرجان وضع عنوان الفيلم بالإنجليزية، Love Imagined لأن الفيلم يطرح تيمة «الخيال» حين يكون آخر حصون الروح وطوق النجاة من الغرق فى بحر الحَزن.

أستاذ جامعى يفقد زوجته بعد قصة حبّ عميقة، إثر حادث فى ألمانيا. وعلى مدى السنوات العشر لم يبرأ من عشقه، ولا من ألم الفقد. بل هو لم يعترف أصلًا بالفقد ولا صدّق غياب زوجته. هجر العالم وعاش مع دُمية منحها ملامح محبوبته الراحلة: يجلس إليها، يكلّمها، يطهو لها أكلتها المفضلة، ويعود إليها من العمل ملهوفًا، كأن الموت خيالٌ لم يقع. هذا ليس فُصامًا بل إنكارٌ جمالى للفقد؛ ومحاولة لرأب شقّ غائر فى جدار القلب. يقدّم الفيلمُ شخصيةً مفجوعة، لا كضحية، بل ككائن يتشبث بالحياة عند الحدّ الفاصل بين العقل والخيال. جسّد هذه الشخصية على نحو شديد البراعة النجم «أحمد السعدنى».

على الضفة الأخرى نتعرف على ثنائى شاب بدأت قصّة حبهما من الطفولة، ويتزاملان الآن فى الجامعة. غير أن اختلاف شخصيتيهما أربكت الحبَّ فتعثّر. هو شاعر الخيال، وهى عاقلة الواقع. هو يرى العالم أغنية، وهى تراه مشروعًا. يرى الحياة رومانسية وترى الحياة كدًّا وعملا ونجاحًا. ويقع الفراقُ المُرُّ. ويتقاطع خطُّ الحبيبين الحزينين مع عالم الأستاذ المكلوم، فتبدأ اللعبةُ الكبرى للخيال: رسائلُ موجّهة إلى دمية يظن العاشقُ أنها فتاة جميلة، مغامرات طائشة من شباب عاشق تصطدم بحائط بروفيسور حزين متجهم ووقور. وهمٌ يقود إلى حبّ، وحبٌّ يقود إلى كشف، وكشفٌ يقود الجميعَ إلى أنفسهم.

يبلغ الإبهارُ ذروتَه العليا خلال مشاهد الاستعراض المدهش الذى أدى فيه الأبطال الثلاثة رقصاتٍ فانتازية بالغة العذوبة. تلك المشاهد تُشكّل القلب البصرى والسمعى والخيالى للعمل. موتوسيكل يحمل العاشقين فيتحوّل الطريق إلى سماء، والحركة إلى طيران؛ فيرقصُ العشاق فوق السحاب، فى لقطة تعلن أن الحب، حين يتحرّر من سلاسل الماديات والصعاب، يكون أقرب إلى جناح عصفور حر. وأما الذروة الثانية فكانت الرقصة الثلاثية الختامية التى جمعت البروفيسور المصدوع بتلميذيه العاشقَين. فى تلك اللحظة تصالح الخيالُ مع الواقع، والماضى مع الحاضر. بل تصالحت الأزمنة الثلاثة: الماضى الجريح الذى يمثله الأستاذ، والحاضر القَلِق الذى تمثله الفتاة، والمستقبل المندفع الذى يمثله الفتى، الذى أثبت لأستاذه أن علاج الفقد هو الحياة وصنع الخيال الإيجابى المستقبلى وليس الوهم الماضوى السلبى. فى تلك الاستعراضات الجميلة تتحول الموسيقى إلى جسور، والحركة إلى شفاء، والخيال إلى مساحة يتساوى فيها الكبار والصغار، الأحياء والأطياف. رقصات من الفانتازيا الراقية تُعيد للسينما سحرها الأول: الصورة كقصيدة، والموسيقى كقدر جميل. وهنا لابد أن نُشيد بالواعد «عمر زريق» الذى ذكّرنا بالفنان العبقرى الشامل: «منير مراد».

من بين المشاهد الماسّة فى هذى الدراما الراقية، لحظة انهيار الأستاذ حين يُفتضَح سرُّ الدمية. يبكى «السعدنى» على كتف زميل دراسته وأحد شهود قصة الحب القديمة، كما لو أنه يكتشف موت زوجته الآن بعد عشر سنوات من رحيلها. دموعه كانت الاعتراف أخيرًا بموتها. فى هذه اللقطة انفجرت القاعة بالتصفيق؛ لأن البطل لمس فى الإنسان وترًا موجعًا: خوفه من الفقد، وعجزه أمام الموت.

هذا فيلم مدهش يُعيد للذائقة احترامَها، وللفن مكانتَه، وللمُشاهِد حقَّه فى الدهشة والمتعة. عمل يثبت أن السينما قادرة على أن تداوى وتُضىء وتُدهش وتُنقذ. وحين تُغلق الشاشة بعد المشهد الأخير، لا ينتهى الفيلم فى القاعة... بل يبدأ داخلنا من جديد.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«ولنا في الخيال حبٌّ» السينما في أَوْجِها «ولنا في الخيال حبٌّ» السينما في أَوْجِها



GMT 05:25 2026 الإثنين ,09 آذار/ مارس

ترامب فى قبضة الشيطان

GMT 05:24 2026 الإثنين ,09 آذار/ مارس

مَن علّمَ الفتى أن يكره؟!

GMT 05:22 2026 الإثنين ,09 آذار/ مارس

اللون الأزرق والتوحد

GMT 05:21 2026 الإثنين ,09 آذار/ مارس

إفطار جمعية الإعلاميين!

GMT 05:20 2026 الإثنين ,09 آذار/ مارس

اعتذار الصواريخ رسالة تهدئة أم مناورة؟

GMT 05:19 2026 الإثنين ,09 آذار/ مارس

كراهية البشر والحجر

GMT 05:18 2026 الإثنين ,09 آذار/ مارس

ترامب يتحسس مقعده

GMT 05:17 2026 الإثنين ,09 آذار/ مارس

فرصة أخيرة) ولماذا حذف اسمى «حميدة ولطفى»؟!

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 11:54 2024 الإثنين ,06 أيار / مايو

أحذية لا غنى عنها في موسم هذا الصيف

GMT 11:06 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الجدي السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025

GMT 05:00 2025 الثلاثاء ,08 تموز / يوليو

بوجاتي تشيرون الخارقة في مواجهة مع مكوك فضاء

GMT 09:55 2025 الثلاثاء ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

تعقيدات قواعد المجوهرات في العمل

GMT 01:45 2022 الأربعاء ,14 أيلول / سبتمبر

فراس شواط يدعم صفوف الإسماعيلي لـ 3 مواسم

GMT 01:06 2021 الأربعاء ,09 حزيران / يونيو

تسريبات جديدة تكشف مواصفات هاتف سامسونج Galaxy M32

GMT 06:31 2020 الخميس ,11 حزيران / يونيو

آسر ياسين يحذر من عملية نصب على طريقة "بـ100 وش"
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt