توقيت القاهرة المحلي 01:43:41 آخر تحديث
  مصر اليوم -

«إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا»

  مصر اليوم -

«إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا»

بقلم - مصطفي الفقي

تمتد ذكرياتى مع الزلازل إلى سنوات طويلة.. فى عام 1957 ضرب زلزال خفيف منطقة الدلتا وكنت أعيش فى مدينة دمنهور مع أسرتى، وشعرنا به فى الساعات الباكرة من الصباح، وكانت تلك أول تجربة مع الهزات الأرضية، وقال أبى يومها - رحمه الله -: (إنها على ما يبدو انعكاسات للقنابل النووية فى بعض الأماكن التى تجرى فيها تجارب على ذلك السلاح الخطير)، ولم يستوعب خيال طفل تجاوز قليلًا الثانية عشر من عمره ذلك التحليل، ولكننى شعرت بأن الأرض إذا تحركت فليس للإنسان أمان يشعر به ولا اطمئنان يحيطه، وظل الأمر فى ذاكرتى يستيقظ كلما حدثت هزة أرضية شعرت بها أو سمعت عنها أو قرأت أخبارها، وكلما كنت فى مناسبة وتحتم علىَّ أن أقضى ساعات فى أحد الأدوار العليا، فإننى أستعيذ بالله دائمًا من مفاجأة زلزالية تطيح بمشاعر السكينة التى تسيطر علينا فى الأحوال العادية، خصوصًا أننى أضع نفسى دائمًا فى وضع الطرف الآخر الذى يتعرض لغضب الطبيعة أيًا كان نوعها، وبينما كنت أعمل دبلوماسيًا فى الهند وأعيش أنا وأسرتى فى مدينة نيودلهى، كنا نذهب فى بعض أيام الشتاء الدافئ إلى إقليم كشمير المتنازع عليه بين الهند وباكستان، وهى منطقة تستحق النزاع عليها والقتال من أجلها بما فيها من بحيرات محاطة بالحدائق حيث يعيش الناس، خصوصًا من جاءوا للسياحة من أمثالنا ليقضوا أيامًا فى العوامات المهيأة للإقامة المريحة.. وفى إحدى الليالى وبقرب الفجر كانت زوجتى وابنتى نائمتين وأنا مستيقظ أستمتع بالقراءة فى الهدوء الذى أعيشه فى سويسرا الشرق، وأستمع إلى صوت المؤذن لصلاة الفجر فى أواسط آسيا وكأنما تردد جبال الهيمالايا صدى صوت الشيخ المؤذن بلكنة غير عربية، ولكنها تفيض سماحة ونورانية فى تلك اللحظات الرائعة عند الفجر.. وبينما أنا أشعر بالهدوء بين النوم واليقظة فإذا العوامة تهتز اهتزازًا عنيفًا حتى إننى تخيلت أن أسودًا ونمورًا تجرى فوقها وتؤدى إلى اهتزازها بهذا الشكل المفاجئ. وفى الصباح، علمت أن زلزالًا كان هو السبب فيما جرى، وأن الشعور به فوق المياه قد يزداد عن الشعور به فوق الأرض، ولكن الخسائر تكون أقل.

وفى عام 1992، كان من المقرر أن أرافق الرئيس الراحل حسنى مبارك ضمن الوفد المسافر فى زيارة رسمية لجمهورية الصين، وبالفعل، سلمت حقيبتى قبل الرحلة بيومين كالمعتاد للمسؤولين عن شؤون السفر فى مؤسسة الرئاسة حتى تسافر على طائرة الأمتعة المسماة C130، ثم حدثت قصة السيدة الأرمنية التى أطاحت بالمشير أبوغزالة - رحمه الله - وبعدد من ضباط الشرطة الكبار، وأصابنى منها رذاذ كان يجب أن أتنبه له ولكننى قللت من شأنه حتى جاءنى اتصال من مؤسسة الرئاسة بأن الرئيس قد قرر إنهاء انتدابى وعودتى إلى وزارة الخارجية كوزير مفوض فى ترتيبى الطبيعى بين درجات السلك الدبلوماسى والقنصلى، وبذلك طلبوا منى أن أرسل من يستعيد حقيبة سفرى لأننى لن أذهب فى رحلة الصين كما كان مقررًا من قبل، واندهشت كثيرًا لما جرى بعد ذلك، حيث قطع الرئيس مبارك زيارته لبكين عندما وصلت أخبار الزلزال فى اليوم التالى، وكانت هى المرة الوحيدة فى تاريخ أسفاره التى يقطع فيها الزيارة ويعود إلى الوطن بسبب كارثة الزلزال الذى ضرب القاهرة وترك آثارًا من عمارات متهدمة وأبنية متصدعة ومآذن أثرية تشققت بفعل ذلك الزلزال الذى شعرنا به جميعًا، حتى اتصل بى فى ذلك اليوم زميلى السفير شكرى فؤاد ميخائيل، وقد كان صديقًا عزيزًا، ليقول لى فى محادثة تليفونية: (إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا) فى نبرة أسف لما حدث ومواساة لى فى استبعادى من مؤسسة الرئاسة، وكيف أن رد الفعل الإلهى قد جاء بعد ساعات قليلة من السفر.

ولا أكاد أذكر الآن رحلة قطعها الرئيس مبارك وعاد إلى الوطن إلا عودته بعد ذلك بسنوات قليلة بعد محاولة الاغتيال التى تعرض لها الرئيس الراحل فى الطريق من المطار إلى مقر انعقاد القمة الإفريقية بالعاصمة الإثيوبية، حيث عاد الرئيس للمرة الثانية وقطع رحلته مثلما فعل فى زيارة الزلزال الذى ضرب مصر وما زالت مبانى الإيواء لمن شردتهم تلك الهزة الأرضية مسماة مساكن الزلزال.. هذه بعض ذكرياتى، ألوكها مع الزلزال الأخير الذى ضرب مناطق فى تركيا وسوريا، فقد تسمرت أمام التلفاز عدة أيام أتابع أحداث المشهد الحزين لضحايا ذلك الزلزال ومعجزاته، بدءًا من طفل رضيع وصولًا إلى سيدة مسنة، وكأنما يذكر الله سبحانه وتعالى مخلوقاته قائلًا: (إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا).. ويبقى الزلزال فى ذاكرتى محتلًا زاوية لا يغيب عنها أبدًا.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا» «إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا»



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 00:47 2026 الجمعة ,13 شباط / فبراير

10 عادات يومية قد تسلبك معظم سعادتك
  مصر اليوم - 10 عادات يومية قد تسلبك معظم سعادتك

GMT 13:37 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان
  مصر اليوم - درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان

GMT 13:59 2025 الأربعاء ,29 تشرين الأول / أكتوبر

رحمة رياض تتألق بإطلالات متنوعة تجمع بين الأناقة والجرأة

GMT 08:10 2021 الأربعاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حلمي عبد الباقي يحيي حفلا غنائيا في ساقية الصاوي

GMT 15:40 2018 الثلاثاء ,02 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي سعيدة بنجاح "أبو العروسة"

GMT 01:39 2017 الأحد ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

شريف مدكور سعيد بردود الأفعال عن حلقة سمر يسري

GMT 17:41 2020 الأحد ,09 شباط / فبراير

غلاف كتاب يتسبب في فضيحة كبرى للتعليم

GMT 10:14 2019 الجمعة ,15 تشرين الثاني / نوفمبر

ترشيح مصطفى شعبان لتجسيد خالد بن الوليد لرمضان 2020

GMT 00:14 2019 الأحد ,10 تشرين الثاني / نوفمبر

نايل دراما تبحث في حقوق عرض المسلسلات على شاشتها

GMT 23:29 2019 الإثنين ,28 تشرين الأول / أكتوبر

براءة ريهام سعيد من تهمة إهانة مرضي السمنة

GMT 19:55 2019 الثلاثاء ,22 تشرين الأول / أكتوبر

"الرئاسة" تكشف عن حقيقة وفاة الرئيس اللبناني ميشال عون

GMT 06:10 2019 الأربعاء ,18 أيلول / سبتمبر

أول تعليق من يورغن كلوب عقب الخسارة من "نابولي"
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt