توقيت القاهرة المحلي 01:04:36 آخر تحديث
  مصر اليوم -

رحلة الإنسان .. نسيان وغفران

  مصر اليوم -

رحلة الإنسان  نسيان وغفران

بقلم - مصطفي الفقي

فى وقت تحتدم فيه الصراعات، وتنشط الحروب، ويسود خطاب الكراهية من كل اتجاه، فى مثل هذه الأجواء الملبدة بالغيوم التى يغلف صباحها ضباب كثيف، ويغطى ليلها ظلام دامس، تلك البيئة التعسة وذلك المناخ البائس، يمكننا أن نخرج عن كل ذلك السياق فى سباق إلى الأمام نتطلع فيه إلى طى صفحة مؤلمة على حدودنا الشمالية الشرقية، حيث لا تزال الآلام والأحزان والدموع هى لغة التخاطب بين أبناء الشعب الفلسطينى، خصوصًا فى قطاع غزة المكلوم الذى دفع فاتورة شديدة الغلاء بعملة جديدة منها الأطفال حديثو الولادة الذين تجمدت أطرافهم فغادروا الحياة بعد ساعات قليلة من دخولها، فضلا عن التجويع وتدمير المشافى وتحويل القطاع إلى أنقاض وركام وبقايا جثث وأشلاء، فهل تستقيم هذه الصورة الصعبة مع حديثنا عن النسيان والغفران؟! إننى أتذكر يوم وفاة أمى حين جاءتنى إحدى قريباتى المسنات وقالت لى لا تبتئس فكل شيء يبدأ صغيرًا ثم يكبر إلا الحزن، فهو يبدأ كبيرًا ثم يبتعد كالضوء الشاحب ويصبح ذكرى أليمة فى أحد أركان العقل البشرى، ولقد كنت شديد الإعجاب بعبارة يجرى ترديدها بالإنجليزية تقول (إن الحياة فى النهاية هى نسيان وغفران)، ولقد عاودتنى تلك العبارة كثيرًا وأنا أتساءل: هل يمكن أن تنسى الأجيال الجديدة من الشعب الفلسطينى أبعاد المأساة التى عاشوها، وهل يمكن أن تتسع مساحة الغفران لتحتوى أسبابًا للصفح والتسامح؟ إن الأمر بلا شك شديد الصعوبة ولكنه ليس مستحيلا، ومازالت تقبع فى ذهنى صورة مجموعة من الشباب من أبناء ضحايا فيتنام الذين فقدوا آباءهم فى تلك الحرب وسمعوا عن ويلاتها، فإذا بهم يقابلون الرئيس الأمريكى السابق بيل كلينتون بابتسامة ود ونظرة عفو ومحاولة لتجاوز الماضى والتهيؤ للمستقبل، ويومها كتبت الصحف أن رئيس الولايات المتحدة الأمريكية يستقبل أولاد وأحفاد الحرب الأمريكية على بلادهم وكأنما يتطلع لطى صفحة كاملة والنظر إلى صفحة بيضاء جديدة تكتب فيها الأجيال الشابة تصورًا مختلفًا للحياة والأحياء، كانت تلك المناسبة بمثابة لقاء بين الضحايا والجلاد حتى وإن لم يكن الشخص بذاته، إلا أنه رمز لبلاده التى تنشر الحروب غير المبررة فى كوريا وفيتنام وأفغانستان والعراق وتكفلت بالإمداد العسكرى للحرب على أهل غزة، وأنا لا أفترض هنا أن الفلسطينيين ملائكة ولا أن العرب نبلاء، ولكننى متأكد تمامًا أن ميزان العدل يتأرجح لصالحهم ضد قوى العدوان الذى يرتبط بواحدة من أكبر جرائم العصر وأكثر مآسيه ضراوة وظلمًا، وقد ينقسم البشر إلى فريقين، فريق يقول تذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين، وفريق آخر يرى غير ذلك وأن ما حدث يأخذ مكانه فى الماضى وينبغى ألا يؤثر على المستقبل، ولكن قد يكون هناك فريق ثالث يرى أنه لا وجود لمن لا ذاكرة له، فالذاكرة هى متحف الزمان والمكان، منها يستدعى المرء الأحداث والمواقف والرؤى والأشياء، لذلك فإنها مرآة للماضى ولكنها كاشفة للمستقبل أيضًا، بالقياس على ما جرى والاحتكام إلى ما مضى، وعندما نشطت الكنيسة فى أوروبا وظهر عصر مارتن لوثر وكالفن وغيرهما بما كانوا يحملونه من صراع بين السلطتين الزمنية والروحية، فى ذلك الوقت شاع تعبير «صكوك الغفران» وكأنما يستطيع الإنسان شراء سهمٍ فى جنات النعيم، وبالقياس على حياتنا المعاصرة فإننا نردد دائمًا أن جزءًا كبيرًا من متاعب الحياة سوف يكون خصمًا من راحة الآخرة، ولقد نشطت نظريات تناسخ الأرواح والحديث عن الحياة بعد البعث، وكلها ذات دلالات على أهمية التعايش مع الماضى والتركيز فى المستقبل بنفس راضية وقلب مفتوح وعقل متسامح، إننى أريد أن أركز هنا على نظرية تغير الظروف فى حياة البشر، وأن ما هو مرفوض اليوم قد يكون مقبولا غدًا والعكس صحيح أيضًا، فالإنسان ابن زمانه ومكانه وحياته جزء لا يتجزأ من البيئة التى يعيش فيها والمناخ الذى يسعى من خلاله، وليس لدى شك فى أن الدنيا يوم لك ويوم عليك وأن الحياة لا تسير على وتيرة واحدة، وأن المأزوم اليوم قد يكون هو المنتصر غدًا، وعلى الإنسان ألا يحزن كثيرًا وألا يفرح طويلا، فالدنيا تتغيّر والزمان يتحول ولابد من النسيان والغفران باعتبارهما الثنائى الذى ينظم حركة الكون وتطور الحياة ومسيرة الإنسان.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

رحلة الإنسان  نسيان وغفران رحلة الإنسان  نسيان وغفران



GMT 12:42 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

خطوة جزائرية لا يمكن الاستخفاف بها…

GMT 12:39 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

لبنان… والفرصة السورية

GMT 12:32 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

الهند دولة يقع الدبلوماسى فى حبها

GMT 12:29 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

سقط النّظام الإيرانيّ… قبل أن يسقط!

GMT 12:29 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

هل تحقق الحكومة تكليفات الرئيس؟

GMT 12:27 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

بدون جمهور.. «هههههه»!

GMT 12:13 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

اللُّحمة الوطنية تتعمق في الأزمات

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 00:47 2026 الجمعة ,13 شباط / فبراير

10 عادات يومية قد تسلبك معظم سعادتك
  مصر اليوم - 10 عادات يومية قد تسلبك معظم سعادتك

GMT 13:37 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان
  مصر اليوم - درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان

GMT 13:59 2025 الأربعاء ,29 تشرين الأول / أكتوبر

رحمة رياض تتألق بإطلالات متنوعة تجمع بين الأناقة والجرأة

GMT 08:10 2021 الأربعاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حلمي عبد الباقي يحيي حفلا غنائيا في ساقية الصاوي

GMT 15:40 2018 الثلاثاء ,02 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي سعيدة بنجاح "أبو العروسة"

GMT 01:39 2017 الأحد ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

شريف مدكور سعيد بردود الأفعال عن حلقة سمر يسري

GMT 17:41 2020 الأحد ,09 شباط / فبراير

غلاف كتاب يتسبب في فضيحة كبرى للتعليم

GMT 10:14 2019 الجمعة ,15 تشرين الثاني / نوفمبر

ترشيح مصطفى شعبان لتجسيد خالد بن الوليد لرمضان 2020

GMT 00:14 2019 الأحد ,10 تشرين الثاني / نوفمبر

نايل دراما تبحث في حقوق عرض المسلسلات على شاشتها

GMT 23:29 2019 الإثنين ,28 تشرين الأول / أكتوبر

براءة ريهام سعيد من تهمة إهانة مرضي السمنة

GMT 19:55 2019 الثلاثاء ,22 تشرين الأول / أكتوبر

"الرئاسة" تكشف عن حقيقة وفاة الرئيس اللبناني ميشال عون

GMT 06:10 2019 الأربعاء ,18 أيلول / سبتمبر

أول تعليق من يورغن كلوب عقب الخسارة من "نابولي"
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt