توقيت القاهرة المحلي 00:32:12 آخر تحديث
  مصر اليوم -

ثقافة العنف بعد أحداث غزة

  مصر اليوم -

ثقافة العنف بعد أحداث غزة

بقلم - مصطفي الفقي

لابد أن نسجل هنا أن أحداث غزة الدامية سوف تحتل مساحة واسعة فى الوجدان العربى المعاصر، فالفظائع التى جرى ارتكابها والبيوت التى جرى هدمها وعدد كبير من الضحايا من الأطفال والنساء كل ذلك يؤشر إلى بقع سوداء فى الذاكرة الجمعية لا للعرب وحدهم، ولكن لكل من يملكون حسًا إنسانيًا أيضًا، ونحن هنا لا نناقش قضية المنتصر والمهزوم أو الغالب والمغلوب، ولكن جوهر القضية والآثار التى تركتها تلك الأحداث والتى سوف تظهر بالتأكيد لدى الشعب الفلسطينى الباسل ولو بعد سنوات، ولقد أدركت الأجيال الجديدة من الأطفال الفلسطينيين أن هناك من كان يستهدف أرواحهم ويستحل دماءهم ولا تردعه قوة ولا يوقفه سلطان، ولاشك أن هناك جروحًا غائرة محفورة فى وجدان الملايين من الشعب الفلسطينى الذين عاشوا تلك الأحداث الدامية، وفقد كل واحد فيهم أخًا أو أختًا بحيث تظل الأزمة تحرك وجدان الشعب لعشرات السنين القادمة، وأنا شخصيًا أدهش للأساليب الممنهجة التى يقوم بها جيش الاحتلال ضد أصحاب الأرض، وهو الذى كان يجب أن يدرك أن العنف لا يولد إلا العنف وأنه يزرع فى صدور الفلسطينيين وغيرهم ممن شهدوا المذابح وعاصروا أحداثها البشعة ما يدفعهم إلى أن يتحولوا إلى وقود دائم للعنف ضد هذه الدولة العنصرية العدوانية مالم تصل مع الفلسطينيين إلى حل دائم وعادل يستعيدون به وطنهم ويستردون حقوقهم، وأنا أتوقع أن استمرار المأساة الفلسطينية على ما هى عليه ودون الوصول إلى حل عادل بنية صادقة، سوف يفتح أبواب الإرهاب لا فى المنطقة العربية وحدها، ولكن فى مناطق مختلفة من عالم اليوم، فالعنف والقهر والظلم الواضح سوف يؤدى فى مجمله إلى شحنات من الغضب الكامن لدى الأجيال القادمة بما يجعل الصراع مستمرًا والعنف متواصلاً دون توقف، ولعلى أشير هنا إلى ملاحظات ثلاث ترتبط باتساع دائرة العنف والدخول فى مرحلة ثورة اليأس إذا جاز التعبير:

أولاً: إنه لا يوجد ضمان لاستقرار الشعوب وسلامة الأوطان إلا بالقناعة الكاملة لدى جميع الأطراف بأنها استردت حقوقها المشروعة، أو على الأقل الجزء الأغلب منها مع تنازلات متبادلة، فالسلام الحقيقى هو الذى يقوم على اقتناع كل طرف أنه قد حقق جزءًا من أهدافه ولا يقوم السلام أبدًا أو يستمر معتمدًا على الشعور بفرض الأمر الواقع، وقهر إرادة الطرف الآخر، فألمانيا التى خرجت من الحرب العالمية الأولى بهزيمة واضحة هى ذاتها ألمانيا النازية التى عادت إلى اجتياح الدول الأوروبية الأخرى انتقامًا لتلك الهزيمة السابقة ورفضًا للسلام الهش الذى لم يصمد طويلاً وانهار أمام نزعة عنصرية دفينة حمل لواءها قادة الرايخ الثالث مما أدى إلى اشتعال الحرب العالمية الثانية، وضياع عشرات الملايين من الأرواح، وتدمير المدن وتحويل العالم فى ذلك الوقت إلى ميادين قتال وساحات معارك.

ثانيًا: إن السلام الذى لا يقوم على العدل لن يكون سلامًا طبيعيًا فى أجواء صحية تسمح له بالاستمرار والازدهار، فالسلام القائم على فرض الأمر الواقع ونتيجة انعدام التوازن بين الأطراف هو سلام محكوم عليه بالانهيار فى أى لحظة، وهو أقرب إلى حالة السكون المؤقت منه إلى حالة السلام الدائم، ويجب أن نكون واضحين بالقول إنه يستحيل إنهاء مقاومة الشعوب للاحتلال دون وجود ركائز لسلامٍ عادل ودائم، فالأمل هو سماد النبات الطيب للسلام الموعود، وواهم من يتصور غير ذلك.

ثالثًا: إن القضية الفلسطينية متشابكة الأطراف معقدة التركيب، لأن الحركة الصهيونية ظلت لأكثر من قرن ونصف تحفر فى بئر اليأس وتزرع خطاب الكراهية وتشيد أسوار العنصرية والتعصب حتى قضى الاحتلال الإسرائيلى على كل بارقة للأمل، ودمر بشكل وحشى كل احتمالات السلام المنتظر، وتناسى الجميع أن الشعب الفلسطينى الباسل يعيش بالأمل ولا يستسلم لليأس مهما طال الزمن، ولذلك فإننا ندعو إلى تضافر الجهود الدولية والإقليمية للاقتراب من استعادة زخم التفاوض من أجل حل واحدة من أعقد المشكلات الدولية المزمنة التى طال عليها الزمن وتعقدت بسببها الأمور، وتتحمل الولايات المتحدة الأمريكية بقيادتها الحالية التى يرأسها دونالد ترامب مسئولية تاريخية بعد حرب غزة المروعة للبحث عن مخرج لما نحن فيه ووضع حدٍ حاسم لإنهاء مأساة الشعب الفلسطينى دون السعى لتهجيره وانفصاله عن أرضه التاريخية.

.. هذه ليست رسائل للغضب بقدر ما هى دعوة لصحوة يحتاجها العقل ويقظة ضرورية للضمير ووضع حدٍ لمعاناة أطفال فلسطين، وإيقاف نزيف الدم الذى يتدفق فى أنحاء الشرق الأوسط.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ثقافة العنف بعد أحداث غزة ثقافة العنف بعد أحداث غزة



GMT 15:51 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

من البيجرز إلى مادورو: لماذا يرتجف المرشد؟

GMT 15:48 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

ترامب وأوكرانيا... والأمن الأوروبي

GMT 15:45 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

مصر وبنين.. فيلم «الباب المفتوح»

GMT 15:43 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

الميزة الأساسية لترامب!

GMT 15:41 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

الأسئلة الحرجة على جسر بين عامين!

GMT 15:38 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

مطلوب نقابة للبلطجية!

GMT 07:45 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

ليلة القبض على العالم

GMT 07:42 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

اليمن وخيار صناعةِ الاستقرار

بريق اللون الفضي يسطع على إطلالات النجمات في بداية عام 2026

دبي ـ مصر اليوم

GMT 01:32 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

8 وجهات أوروبية تتصدر المشهد السياحي في 2026
  مصر اليوم - 8 وجهات أوروبية تتصدر المشهد السياحي في 2026

GMT 20:04 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

بعد تهديدات ترامب الرئيس الكولومبي يتعهد بحمل السلاح مجددا
  مصر اليوم - بعد تهديدات ترامب الرئيس الكولومبي يتعهد بحمل السلاح مجددا

GMT 15:36 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : ناجي العلي

GMT 07:47 2024 الأربعاء ,30 تشرين الأول / أكتوبر

نصائح لتحديد أفضل وقت لحجز رحلاتكم السياحية بسعر مناسب

GMT 22:26 2019 الثلاثاء ,31 كانون الأول / ديسمبر

التموين المصرية تسعد ملايين المواطنين بأول قرار في 2020

GMT 01:53 2019 الأربعاء ,11 أيلول / سبتمبر

جنيفر لوبيز تظهر بفستان من تصميم ياسمين يحيى

GMT 01:27 2018 الثلاثاء ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

فلسطينية وصومالية في مجلس النواب.. وعظمة أميركا

GMT 11:40 2017 الجمعة ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

سيدة مصرية تخنق زوجة ابنها خوفًا من الفضيحة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt