توقيت القاهرة المحلي 05:16:50 آخر تحديث
  مصر اليوم -

السياسات والإجراءات

  مصر اليوم -

السياسات والإجراءات

بقلم - مصطفي الفقي

مع الأيام الأولى للعام الميلادى الجديد يحسُن بنا أن نراجع بعض التعريفات التى نستخدمها بلا وعى وبلا تركيز أحيانًا، ومن أمثلتها تلك العلاقة بين ما هو مرحلى وما هو دائم، بين ما هو تكتيكى وما هو استراتيجي، إذ نلاحظ غالبًا أن العقل الشرقى يستغرق فى الإجراءات وقد تغيب عنه السياسات كما تذوب المؤسسة أحيانًا فى شخصية الفرد الذى يقودها، ولكى أكون واضحًا فإننى أقرر ما لاحظته فى تكوين العقل العربى عندما يكون فعلًا أو رد فعل، فهو فى الحالين يلجأ إلى إجراء جديد ولا يغوص أعمق من ذلك فى سياسة مختلفة، ومرجع ذلك يعود إلى اهتمامه بالشكل دون المضمون، والتعلق بالتفاصيل دون الإمساك بتلابيب الظاهرة، والخروج منها بسياسة عامة تسمح بعد ذلك باستدعاء التفاصيل المطلوبة، وليس ذلك جديدًا على العقل العربى المعنيّ غالبًا بالنظرة الصغرى دون الرؤية الكبرى أى بالـ (Micro)قبل (Macro) كما أنه يستغرق فى لغة المونولوج متحاشيًا أسلوب الديالوج ، ذلك لأنه لا يستطيع التسامح مع الرأى الآخر، وقد تسيطر عليه أحيانًا فلسفة القطيع فيجرى وراء إجراءات يتخذها دون التفكير فى سياسات معقولة، والسبب فى ذلك يعود فى ظنى إلى عدد من العوامل أهمها أسلوب التربية ثم نوعية التعليم ثم المناخ العام السائد ثم البيئة الاجتماعية الحاضنة، وهذه العوامل الأربعة هى المحددات المعتادة عند تقويم فكر معين أو التفتيش فى رؤية بذاتها، فأسلوب التربية التى تبدأ من الأسرة وتتأثر بدرجة تماسكها هى المتغير المستقل الذى تتبعه متغيرات أخرى تسهم فى تكوين الشخصية، فما أكثر ما شهدنا من أمثلة، وعرفنا من نماذج تؤكد أن نوعية التربية صارمة حادة أو ناعمة دينية أو واقعية مثالية تحفل بالقيم والعظات وتكتفى بالشواهد الملموسة والظواهر المحسوسة، فتلك كلها عوامل تتشكل بها شخصية الطفل منذ سنواته الأولى، وقد تسهم صرامة أحد الأبوين فى الدفع به نحو اتجاه بذاته ولا تبدو آثاره فى شخصيته إلا بعد أن يستوى على عوده ويصبح شابًا يقبل الحساب الإيجابى والسلبى فى مواجهة المواقف والأحداث، أما نوعية التعليم فحدث عنها ولا حرج فهى الفيصل فى التمييز بين الأشخاص، ولقد لاحظت مثلًا من تجارب عمرى إمكانية تمييز خريج التعليم الدينى عن خريجى التعليم المدنى بعد حوار بسيط معه تنعكس فيه شخصيته الثقافية ولا أفترض تمييز أى منهما على الآخر، لذلك فإن نوعية التعليم تتحكم إلى حد كبير فى جدولة الذهن وترتيب العقل، إن المناخ الذى يسود أركان المجتمع فى مرحلة معينة يكون مؤثرًا فى مكونات العقل الجمعى والإرادة الطوعية، فمناخ العصر الناصرى اختلف تمامًا عن المناخ الذى كان سائدًا فى العصر الملكى بحيث سادت ثقافة لم تكن مطروقة من قبل كما يسود نظام جديد ينعكس على الفرد وعلاقته بالمؤسسة، فحتى المفكرون الكبار اختلفت أساليبهم بعد ثورة يوليو عنها قبلها وأصبحنا أمام مشاهد لم تكن معتادة من قبل خصوصًا ما يتصل بالتوجيه الإعلامى والخطاب السياسى انصرف الناس عن مفهوم السياسات العريضة إلى التفاصيل الصغيرة والإجراءات الجديدة ثم تأتى بعد ذلك البيئة الاجتماعية الحاضنة وهى ممر شائك فى حياة البشر، فالمستوى الاجتماعى ينعكس على العلاقة بين الفرد ومجتمعه الذى يعيش فيه والبيئة التى خرج منها، وقد يقول قائل: إن مسارات الصعود الطبقى قد غيرت ذلك المفهوم السائد عن الارتباط بين المستوى الاجتماعى والعمق الفكري، وقد يكون ذلك صحيحًا ولكن تبقى فى النهاية ظلال لا تزول كأثر للواقع الاجتماعى الذى خرج منه صاحب الشخصية، وهنا تلعب نوعية التعليم مرة أخرى دورًا مهما فى هذا الشأن.. إننى أكتب هذه السطور لكى ألقى الضوء على العلاقة بين الفرد والمؤسسة، بين المواطن والدولة، بين من يخضعون للإجراءات ومن يضعون السياسات، وأدعو بحماس شديد إلى التفكير الشامل الصادر عن الرؤية المتكاملة بعيدًا عن النظرة الجزئية التى لا تُلم بالأطراف المختلفة للقضية الواحدة، وأطالب بإعادة منهجة العقل العربى من خلال العوامل التى سُقناها لكى يصبح معنيًا بالسياسات العامة قبل المضى وراء الإجراءات الفرعية.

إنها سطور تطرق أبواب المستقبل بعد أن اكتشفنا أن الاختلاف بين العقل العربى والعقل الغربى هو عامل مؤثر فى طبيعة الوجود المشترك على أرضية وطنية واحدة بين كل أصحاب الرؤى والأفكار والمواقف، إذ إن توظيف العقل فى خدمة الإنسان لا يتحقق إلا بالانتقال من الدائرة الأوسع إلى الأضيق وليس العكس، فالسياسات هى قاطرة الحياة بينما الإجراءات هى العربات التى تجرها تلك القاطرة المشتركة، إنها قضية العلاقة بين ما هو كلى وما هو تفصيلى من الناحية الموضوعية، وبين ما هو مرحلى وما هو دائم من الناحية الزمنية، وبين ما هو تكتيكى مؤقت واستراتيجى دائم من منظور الرؤية الشاملة التى تحدد المسار وتستشرف المستقبل وترى الضوء فى آخر النفق مهما تكن المصاعب والتحديات، بل والعقبات والمشكلات.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

السياسات والإجراءات السياسات والإجراءات



GMT 12:42 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

خطوة جزائرية لا يمكن الاستخفاف بها…

GMT 12:39 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

لبنان… والفرصة السورية

GMT 12:32 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

الهند دولة يقع الدبلوماسى فى حبها

GMT 12:29 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

سقط النّظام الإيرانيّ… قبل أن يسقط!

GMT 12:29 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

هل تحقق الحكومة تكليفات الرئيس؟

GMT 12:27 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

بدون جمهور.. «هههههه»!

GMT 12:13 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

اللُّحمة الوطنية تتعمق في الأزمات

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 00:47 2026 الجمعة ,13 شباط / فبراير

10 عادات يومية قد تسلبك معظم سعادتك
  مصر اليوم - 10 عادات يومية قد تسلبك معظم سعادتك

GMT 13:37 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان
  مصر اليوم - درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان

GMT 13:59 2025 الأربعاء ,29 تشرين الأول / أكتوبر

رحمة رياض تتألق بإطلالات متنوعة تجمع بين الأناقة والجرأة

GMT 08:10 2021 الأربعاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حلمي عبد الباقي يحيي حفلا غنائيا في ساقية الصاوي

GMT 15:40 2018 الثلاثاء ,02 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي سعيدة بنجاح "أبو العروسة"

GMT 01:39 2017 الأحد ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

شريف مدكور سعيد بردود الأفعال عن حلقة سمر يسري

GMT 17:41 2020 الأحد ,09 شباط / فبراير

غلاف كتاب يتسبب في فضيحة كبرى للتعليم

GMT 10:14 2019 الجمعة ,15 تشرين الثاني / نوفمبر

ترشيح مصطفى شعبان لتجسيد خالد بن الوليد لرمضان 2020

GMT 00:14 2019 الأحد ,10 تشرين الثاني / نوفمبر

نايل دراما تبحث في حقوق عرض المسلسلات على شاشتها

GMT 23:29 2019 الإثنين ,28 تشرين الأول / أكتوبر

براءة ريهام سعيد من تهمة إهانة مرضي السمنة

GMT 19:55 2019 الثلاثاء ,22 تشرين الأول / أكتوبر

"الرئاسة" تكشف عن حقيقة وفاة الرئيس اللبناني ميشال عون

GMT 06:10 2019 الأربعاء ,18 أيلول / سبتمبر

أول تعليق من يورغن كلوب عقب الخسارة من "نابولي"
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt