توقيت القاهرة المحلي 16:10:17 آخر تحديث
  مصر اليوم -

العلاقات الفرنسية ــ الأمريكية

  مصر اليوم -

العلاقات الفرنسية ــ الأمريكية

بقلم - مصطفي الفقي

أشعر دائمًا بأن المنافسة الثقافية بين الفرانكفونية والانجلوفونية تنعكس مباشرة على العلاقات الفرنسية الأمريكية، إذ إن فرنسا دولة بلا وريث قوى بينما تمتلك المملكة المتحدة امتدادًا فاعلًا وقويًا بوجود الولايات المتحدة الأمريكية، وهو امتداد فكرى ولغوي، لذلك فإن العلاقة بين بريطانيا وفرنسا ذات انعكاس مباشر على العلاقات بين فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، إذ إن واشنطن هى الوريث الطبيعى للوجود البريطانى سياسة ودبلوماسية وثقافة، ولقد وعى الفرنسيون فى العقود الأخيرة أن الولايات المتحدة الأمريكية رصيد قوى لبريطانيا، بينما تفتقد فرنسا ذلك الرصيد بل تشعر دائمًا بأنها متفردة عن غيرها لذلك تعطى اهتمامًا كبيرًا بالثقافة الفرنسية فى سياستها الخارجية وهى تدرك جيدًا أنه ليس لها من وريث داعم وقوى، بل إن التقدم التكنولوجى قد أضاف عليها عبئًا سلبيًا يتمثل فى ثورة الاتصالات والطفرة الهائلة فى مجال التواصل الاجتماعى معترفين بأن لغة الكمبيوتر الأولى هى الإنجليزية، بينما تستأثر الثقافة الفرانكفونية بأنها لغة الفلسفة والفكر والأدب، لذلك فإن الخلاف الذى يثور بين باريس وواشنطن من حين لآخر ليس خلافًا سياسيًا بقدر ما هو خلاف ثقافى وفكرى له جذوره الضاربة فى أعماق التاريخ الأوروبى وتواصله مع العالم الجديد الغربى الأطلنطي، ويرجع الفضل لشخصية شامخة وقامة عالية شكلًا وموضوعًا وأعنى بها شارل ديجول الذى حاول تجسيد شخصية فرنسا فى مراحل تاريخها الصعبة سواء فى أثناء الاحتلال النازى أو فى أزمة الجزائر، فكان ديجول هو المنقذ فى الحالتين وهو ضمير فرنسا الحقيقى، وهو الذى أدرك مبكرًا أن السياسة الأمريكية ليست متسقة تمامًا مع سياسات دول غرب أوروبا وفى مقدمتها فرنسا، لذلك فهو الذى زرع التقليد الدائم الذى جعل لباريس مواقف مستقلة فى السياسات الدولية والإقليمية، كما أنه هو الذى جعل لبلاده شخصية تتمتع باستقلال نسبى فى المواقف تجاه الأزمات العالمية والمشكلات الدولية لذلك فإنه يصعب الحديث عن طبيعة علاقة فرنسا بالسياسة الأمريكية، وربما كانت التصريحات الأخيرة للرئيس الفرنسى ماكرون هى امتدادا لذلك النهج الذى بدأه الفرنسى العملاق شارل ديجول، إذ ليس ماكرون هو أول فرنسى يتمرد على السياسة الأمريكية بل سبقه رؤساء آخرون أتذكر منهم فرانسوا ميتران وجاك شيراك خصوصًا عندما اختلف الموقف الفرنسى مع السياسة الأمريكية فى الحرب على العراق، وتندرت واشنطن وقتها بأن دول غرب أوروبا تبدو أمامها وكأنهم (عواجيز الفرح)، ولقد أصبح هناك تقليد تكرر كثيرًا تبرز من خلاله خلافات بين باريس وواشنطن على الساحتين الدولية والأوروبية، وحدثت الحرب الأوكرانية الروسية وظهر الخلاف الطفيف لوجهتى النظر بين فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية حتى إن ماكرون هو الذى تولى زيارة موسكو والحوار مع الرئيس الروسى بوتين برغم الاعتراف بالخلاف بينهما فإنه هو صاحب العبارة التى تقول (يمكن هزيمة روسيا ولكن لا يتعين سحقها) مشيرًا إلى الكبرياء التاريخى للدب الروسى فى المعارك العسكرية والدبلوماسية معًا، بينما زار رئيس وزراء بريطانيا حينذاك بوريس جونسون أوكرانيا على الجانب الآخر فى مشهد داعم لها لمواجهة موسكو بل وذهب الرئيس الفرنسى فى زيارة رسمية إلى بكين فى محاولة لقراءة الموقف العام لجمهورية الصين تجاه النزاع الروسى الأوكراني، لذلك فإن التصريح الأخير للرئيس الفرنسى ماكرون عن أن أوروبا الغربية ذات شخصية مستقلة لا تتطابق دائمًا مع الرؤية الأمريكية، هو تصريح يعكس المعانى التى طرحناها فى السطور السابقة، إن ما نريد أن نؤكده هو أن العلاقات الفرنسية الأمريكية هى علاقات تتسم بقدر من الندية تحتفظ فيها باريس بآراء مستقلة ومواقف قد تختلف – ولو فى التفاصيل – عن واشنطن وذلك لا ينفى بالطبع أن الغرب غرب فى مجمله وأن هناك قواسم مشتركة فى الثقافة والفكر والسياسة بين دول المنظومة الغربية مهما اختلفت بعض التفاصيل، لذلك فإن ما لاحظته شخصيًا فى أثناء عملى مع الرئيس المصرى الراحل مبارك وخلال الزيارات المتبادلة مع الرئيس الفرنسى كان واضحًا على الدوام أن السياسة الفرنسية ليست تابعة للسياسة الأمريكية، وأنها تتمتع بقدر من حق الاختلاف ومساحة من الحوار البناء الذى أصبح مستقرًا فى ثقافة الدبلوماسية الفرنسية أمام مختلف القضايا والظروف، وتتسم العلاقات بين القاهرة وباريس بقدر كبير من الاستقرار منذ أن أعلن الرئيس الفرنسى العظيم شارل ديجول فى يوليو 1967 أن فرنسا سوف تقرر موقفها من الصراع العربى الإسرائيلى بإدانة من يبدأ بالعدوان وقد التزمت فرنسا بذلك وأوقفت شحنات من السلاح كانت إسرائيل تسعى للحصول عليها، ولذلك فإن فرنسا وجه مقبول نسبيًا لدى عدد من الدول العربية فى مقدمتها مصر بسبب تمردها على التبعية للولايات المتحدة الأمريكية واتخاذها مواقف مستقلة فى كثير من الأزمات والمشكلات.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

العلاقات الفرنسية ــ الأمريكية العلاقات الفرنسية ــ الأمريكية



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - عون يؤكد أن نزع سلاح حزب الله ممكن حال توفر 3 شروط

GMT 08:19 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

ترمب يفرض رسوماً جمركية على واردات كندية

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 08:01 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 22:00 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وصفات طبيعية لتنظيف الأثاث المعدني

GMT 15:45 2025 الثلاثاء ,17 حزيران / يونيو

أهم صيحات الموضة الخاصة بفساتين السهرة

GMT 22:47 2024 الإثنين ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

مجوهرات بتصاميم فريدة تجمع بين الجرأة والرقة

GMT 14:26 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 22:42 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

روبوتات نانوية لتوصيل الدواء داخل جسم الإنسان

GMT 18:47 2021 الثلاثاء ,23 شباط / فبراير

عادات خاطئة تفعلها عند شرب الماء تؤدي إلى الموت

GMT 17:17 2019 الأحد ,22 كانون الأول / ديسمبر

حريق في مبنى الخارجية المصرية

GMT 01:20 2019 الإثنين ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

الفنان تامر حسني يحتفل بـ أحمد عصام بهذه الطريقة

GMT 07:33 2024 الجمعة ,16 شباط / فبراير

مفاجأة بشأن الشرط الجزائي في عقد هالاند
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt