توقيت القاهرة المحلي 14:21:06 آخر تحديث
  مصر اليوم -

مكتبة الأستاذ .. ذاكرة أمة

  مصر اليوم -

مكتبة الأستاذ  ذاكرة أمة

بقلم: مصطفي الفقي

يعتادنى صوته الغائب حينًا فحينًا وألوذ ببعض عباراته متذكرًا تحليلاته الرائعة واستكشافه للمضمون من بين ثنايا العبارات، ويطل على الجميع بآرائه الباقية والتى تعالج قضايا اليوم وربما الغد أيضًا رغم أنه قد كتبها قبل ذلك بسنين، فهو معنا فى موضوع «السد الإثيوبى» وأزمات المياه، وقضايا الرأى والحريات فى المنطقة، مع فهم عميق لكل الملفات الوطنية والإقليمية، لقد مرت عشر سنوات على رحيل الأستاذ محمد حسنين هيكل، ولكنه باقٍ فى ذاكرة أمته مؤثرٌ فى طرائق التفكير ومناهج البحث حول كل القضايا المثارة أو حتى الأزمات العابرة، تعرفت عليه فى نهاية الستينيات من القرن الماضى عندما كان لى شرف مقابلته فى مكتبه بصحبة أستاذى الكبير أسامة الباز الذى كان لا يبخل على تلاميذه بكل فرصة تدفعهم إلى الأمام، وأوهمتنى ابتسامة الترحيب التى قابلنى بها هيكل أنه يعرفنى، رغم أن البشاشة لازمة فى ملامح وجهه ولقاءاته، وعندما عملت فى مؤسسة الرئاسة سكرتيرًا للرئيس الراحل مبارك كنت أستأذنه بين فترة وأخرى فى الذهاب إلى الأستاذ فى «برقاش» لأشحن البطاريات الفكرية لرؤى جديدة أو معلومات طارئة، وأشهد الله أن الرئيس الراحل لم يمنعنى أبدًا عن ذلك، بل كان يطلب منى أن أحمل للأستاذ هيكل ملف الرسائل المتبادلة بين الرئيس المصرى والرئيس العراقى صدام حسين بعد غزو العراق للكويت 1990، ولقد تصفحها الأستاذ هيكل فى حضورى بمكتبه على ضفاف نيل القاهرة بسرعة ودون اهتمام حتى توهمت وقتها أنه قد اطلع عليها من قبل، وقد تحدث الرئيس مع الأستاذ بود شديد فى محادثة تليفونية لتبادل المعلومات حول الطبيب الأجنبى المعالج لنجل الرئيس وابن الأستاذ أيضًا فى نفس الوقت، وشعرت يومها أن الأبوة قد انتصرت على الخلاف فى الرأى وقربت المسافات بين الرجلين، وظللت على تواصل مع تلك القيمة الكبيرة حتى أوقفت الأهرام بتعليماتٍ عليا مقالى الأسبوعى، لأننى أسرفت فى تقديرى للأستاذ ومدحى له فى مقال سابق، ثم تمكن الكاتب الكبير أسامة سرايا أن يكرر مع الرئيس ما فعله الكاتب الراحل إبراهيم نافع فى مرة سابقة منعت فيها أيضًا بسبب مقالٍ عن الفريق سعد الدين الشاذلى رئيس أركان حرب القوات المسلحة فى حرب أكتوبر، ولقد كان الأستاذ هيكل حريصًا على التواصل معى، وهو يعلم أن تقديرى له مطلق ويتجاوز حدود الوظائف والمواقع وشئون العمل العام، وقد حرص على أن يحضر حفل زواج ابنتى الكبرى والصغرى بودٍ شديد يجعله أول الحاضرين إلى حفل الزفاف، فقد كان الرجل منضبطًا للغاية فى مواعيده محترمًا لالتزاماته، ومرت الأيام ورحل الأستاذ، وكان لى شرف إلقاء كلمة قبل الصلاة على جثمانه فى حرم المسجد الحسينى الذى كان قد أوصى بخروج جنازته منه، لأنه المزار الأكبر لأبناء الحى الذى نشأ وتربى فيه ذلك الكاتب العملاق حاد الذكاء ثاقب الرؤية واسع الأفق، وذات صباح قرب نهاية عام 2017 حينما كنت مديرًا لمكتبة الإسكندرية تلقيت اتصالاً هاتفيًا من مجلس عائلة هيكل الذى تترأسه السيدة الجليلة هدايت تيمور قرينته وبحضور أنجاله الثلاثة والفقيه القانونى الراحل السفير نبيل العربى زوج خالتهم، وتمنوا على المرور فى منزلهم بالساحل الشمالى لأمر مهم، وعندما وصلت إليهم تحدثت السيدة الفاضلة هدايت هيكل لتقول لى إنهم يفكرون فى مكان يضم التراث الثقافى للأستاذ، والجزء الأكبر من وثائقه وكتبه، وأنهم يرون أن مكتبة الإسكندرية هى أوفق الأماكن وأنسب الاختيارات بحكم مكانتها التاريخية، وتقديرًا لحماسنا لاستضافة هذا الكنز الكبير فى ذلك الصرح الثقافى المطل على البحر المتوسط بحيرة الحضارات التاريخية الكبرى فى المنطقة، ولقد سعدت كثيرًا بهذا العرض وشكرتهم عليه، وبدأنا على الفور رحلة العمل حيث كانت تأتينا كل أسابيع قليلة السيدة هدايت ومعها زوجة ابنها الأوسط أحمد وهى السيدة مى نبيل العربى لمتابعة مايجرى من استعدادات تليق بمكتبة الأستاذ هيكل التى تضم كتبه ووثائقه وبعض مقتنياته الشخصية، وأشهد الله أن أسرة هيكل صممت على المساهمة الأكبر فى نفقات تجهيز المكان وإخراجه بصورة تليق باسم الراحل الكبير، وكنت قبل ذلك أتوهم أن أهم إنجازاتى فى المكتبة حصولها على جائزة دولية ذات قيمة مالية كبرى قبل تركى لها بأيام قليلة، أو افتتاح قصر الأميرة خديجة فرعًا لمكتبة الإسكندرية فى حلوان، أو الحصول على اعتراف المجلس الأعلى للثقافة بترشيحات المكتبة لجوائز الدولة سنويًا، وغير ذلك من الإنجازات التى يرجع الفضل فيها إلى كفاءة العاملين بالمكتبة والذين ورثتهم نتيجة للاختيارات الجيدة لسلفى الدكتور إسماعيل سراج الدين وهو أمر يحرص على استمراره من جاء بعدى هناك، وأعنى به أستاذ الاجتماع د.أحمد زايد. ولقد أصبحت مكتبة هيكل مزارًا مهما لكل من يسعى إلى مكتبة الإسكندرية من كل الجنسيات وجميع الدول.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مكتبة الأستاذ  ذاكرة أمة مكتبة الأستاذ  ذاكرة أمة



GMT 10:23 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

عملاق يكتب عن عملاق... إنه عظيم ومبجل

GMT 09:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

إيران تنقل المعركةَ إلى الكويت واليمن

GMT 09:20 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

الحوثي... حكايات إمامية

GMT 08:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

العراق: الوطنيّة في مسارها الصعب والطويل

GMT 08:17 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

جولة حرب أخرى؟!

GMT 08:15 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

حرب ومواقف ذات دلالات

GMT 08:14 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

أندي بيرنهام... ثائر بريطاني؟!

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 08:19 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

ترمب يفرض رسوماً جمركية على واردات كندية

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 08:01 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 22:00 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وصفات طبيعية لتنظيف الأثاث المعدني

GMT 15:45 2025 الثلاثاء ,17 حزيران / يونيو

أهم صيحات الموضة الخاصة بفساتين السهرة

GMT 22:47 2024 الإثنين ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

مجوهرات بتصاميم فريدة تجمع بين الجرأة والرقة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt