توقيت القاهرة المحلي 17:11:00 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الاغتيال المعنوي

  مصر اليوم -

الاغتيال المعنوي

بقلم: مصطفي الفقي

إنه أسوأ أنواع الاغتيال وأشدها فتكًا فهو يسعى لتدمير الذات وتحطيم المعنويات حاملاً تأثيرات سلبية على الكيان الإنسانى المستهدف، والاغتيال المعنوى ليس جديدًا على الإنسان بل هو قديم مرتبط بالصراع الأبدى بين البشر من أجل المنافع العاجلة أو المزايا المرتقبة، وقد برعت أجهزة متخصصة فى دول مختلفة من قارات العالم فى توجيه سمومها إلى صدور من يستهدفون، وذلك بتشويه السمعة وانتقاء الصفات السيئة للطرف الآخر وإظهارها بغرض التشهير به وتسليط الضوء على سلبياته وإنكار إيجابياته فى مجافاة واضحة للواقع والحقيقة وابتعاد كامل عن الموضوعية والحياد الأخلاقى، ولقد أسهمت التكنولوجيا الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعى فى تمكين أعداد هائلة من المتابعين للخبر الواحد من التركيز على ذلك النوع من الأخبار وتضخيمها على النحو الذى يثير القارئ أو المشاهد ويدفع بصاحبه فورًا إلى صدارة (الترند) وبذلك نصبح أمام معركة غير متكافئة بل وربما أقرب ما تكون إلى حوار من طرف واحد، ولقد كان من نتائج ذلك بالضرورة التمكين لفئة قليلة من السيطرة على عقول أعداد هائلة ممن تستهويهم الإثارة والتلصص على أخبار الآخرين وأسرارهم والمبالغة الزائدة عند نقل الخبر وترديده ونشر الشائعات والترويج لها، وما أكثر الأحداث المؤسفة التى قد يكون أبطالها شرفاء ولكن يد الاغتيال المعنوى تطالهم، ولقد تابعت شخصيًا على امتداد سنوات عمرى قدرة بعض النظم والمؤسسات فى الدول المختلفة على توجيه سهامها لأفراد أو لهيئات تقف على الطرف الآخر تترقب ما يحدث وتتهيأ للرد وتنتهى إلى ترويج بضاعة قد تكون فاسدة فى ظل مستنقعاتٍ آسنة تطفح بالحقد والكراهية وتوجه خطابًا سلبيًا لكل الأطراف وتمارس دورها فى الترغيب والترهيب والهبوط بالطرف الآخر إلى الدرك الأسفل، ولنا هنا بعض الملاحظات:

أولاً: إن الإعلام المعاصر يملك اليوم أدوات لم تكن متاحة من قبل ويستطيع من خلالها رسم صورة معينة لأشخاص بذاتهم وتحطيم أفكار بعينها، وما أكثر ما رأينا انطفاء الأنوار وخفوت الأضواء من حول شخص بذاته أو جماعة مستهدفة حتى يدرك الجميع أنه أصبح منبوذًا من الكافة ومغضوبًا عليه من الأغلب الأعم فيهم، والويل كل الويل لمن يجرؤ على اقتحام النيران المشتعلة حتى لو بدت فى ظاهرها نيرانًا صديقة.

ثانيًا: إن استعداء المؤسسات الرسمية فى أى مجتمع لشخصٍ بعينه يجعل دمه مباحًا وفكره ساقطًا وشرعيته ناقصة، والأسى كل الأسى لمن يقف ضد التيار، خصوصًا إذا كان على حق فلا يجد من يستمع إليه أو يتفهم وجهة نظره على اعتبار أن محكمة الرأى العام قد أصدرت قرارها الذى لا رجعة فيه خصوصًا أنهم قالوا قديمًا (إن طلقة الرصاص التى لا تصيب تزعج فى كل الأحوال) وفى كثير من هذه الحالات لا يجرى الاحتكام إلى العقل ويندفع الكافة وراء الخبر دون بصيرة أو تدقيق، عندئذ يختفى العدل وتتوارى الحكمة وتتوالى الضربات الطائشة لمن يستحق ومن لا يستحق.

ثالثًا: يتفنن أهل السوء فى تلفيق التهم وتشويه الصورة خصوصًا للمغادرين لمواقعهم والراحلين عن سلطاتهم وكأنما كتب علينا أن نستقبل وألا نودع، وأن نحمل المباخر للقادمين وأن نوزع اللعنات على الذاهبين! وهو للأسف تقليد موروث فى كثير من المجتمعات التى لا تدرك حدود الموضوعية وأطر العدالة ويستهويها الصراخ واللوم فى كل من يجب أن تودعه بما يستحقه فى عدالة وتوازن وشرف، ولقد تبوأت شخصيًا كثيرًا من المواقع ووجدت أن أكثر الناس قربًا منى من المسرفين فى تكرار المديح لى كانوا هم الأكثر بعدًا عندما رحلت، وأخطرهم سمومًا وتزييفًا للحقائق وقديمًا قيل (احذر عدوك مرة واحذر صديقك ألف مرة، فربما انقلب الصديق فكان أعلم بالمضرة) والنفاق داءٌ إذا استبد بأمة يكاد يعصف بها وإذا انتشر فى مجتمع أحاله إلى كتلة من الأكاذيب والأراجيف والافتراءات.

رابعًا: إن كلمة التنمر تعبير جديد وفد على الاستعمال اليومى، وفى ظنى أن التنمر فى أسوأ حالاته هو ذلك الذى يسعى الناس من خلاله إلى تدمير شخصية معينة أو القيام بعملية اغتيال معنوى لفرد بذاته، وليضع كل منا نفسه فى موقع ذلك الهدف الذى نصوب إليه رمى الجمرات ونرى فيه أنه الشيطان الرجيم لكى ندرك مخاطر ذلك القتل المعنوى له ولأسرته وللدائرة الضيقة المحيطة به بدلاً من الاحتكام إلى سيادة القانون وميزان العدالة وترك جهات التحقيق تأخذ مجراها دون تشويش من الرأى العام أو طنين من أصحاب المصالح أو المنتظرين للمكاسب الزائفة فى ظل ظروفٍ يعلم الجميع المخاطر التى تحملها والتعقيدات التى تحيط بها.

هذه كلمات مخلصة مجردة من الشخوص والأهواء ولكنها تسعى فقط إلى تطهير القلوب وتنقية الأجواء إذ إن الاغتيال المعنوى قد شاع فى حياتنا المعاصرة وأصبح له أكثر من وجه وطريقة، وأنا شخصيًا عندما توليت كل موقع كنت حريصًا على الدفاع عن سلفى ومن سبقنى فى توقير واحترام وعدالة، لأننى أؤمن أنه كما تدين تدان ولا قيمة للصراخ فى وجه من ذهبت عنهم السلطة والافتراء عليهم دون وازع من ضمير أو رادع من أخلاق!

نقلا عن الأهرام

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الاغتيال المعنوي الاغتيال المعنوي



GMT 10:23 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

عملاق يكتب عن عملاق... إنه عظيم ومبجل

GMT 09:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

إيران تنقل المعركةَ إلى الكويت واليمن

GMT 09:20 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

الحوثي... حكايات إمامية

GMT 08:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

العراق: الوطنيّة في مسارها الصعب والطويل

GMT 08:17 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

جولة حرب أخرى؟!

GMT 08:15 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

حرب ومواقف ذات دلالات

GMT 08:14 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

أندي بيرنهام... ثائر بريطاني؟!

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - عون يؤكد أن نزع سلاح حزب الله ممكن حال توفر 3 شروط

GMT 08:19 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

ترمب يفرض رسوماً جمركية على واردات كندية

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 08:01 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 22:00 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وصفات طبيعية لتنظيف الأثاث المعدني

GMT 15:45 2025 الثلاثاء ,17 حزيران / يونيو

أهم صيحات الموضة الخاصة بفساتين السهرة

GMT 22:47 2024 الإثنين ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

مجوهرات بتصاميم فريدة تجمع بين الجرأة والرقة

GMT 14:26 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 22:42 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

روبوتات نانوية لتوصيل الدواء داخل جسم الإنسان

GMT 18:47 2021 الثلاثاء ,23 شباط / فبراير

عادات خاطئة تفعلها عند شرب الماء تؤدي إلى الموت

GMT 17:17 2019 الأحد ,22 كانون الأول / ديسمبر

حريق في مبنى الخارجية المصرية

GMT 01:20 2019 الإثنين ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

الفنان تامر حسني يحتفل بـ أحمد عصام بهذه الطريقة

GMT 07:33 2024 الجمعة ,16 شباط / فبراير

مفاجأة بشأن الشرط الجزائي في عقد هالاند
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt