توقيت القاهرة المحلي 19:29:01 آخر تحديث
  مصر اليوم -

اعترافات ومراجعات (98) آلام الرحيل

  مصر اليوم -

اعترافات ومراجعات 98 آلام الرحيل

بقلم: مصطفي الفقي

عندما صدمنى نبأ رحيل صديق عزيز وغالٍ، هو المثقف المغاربى الكبير محمد بن عيسى، شعرت أن الزمن يطوى واحدًا من أنصع صفحاته، وأن القدر يستدعى إنسانًا رائعًا من عالم الفناء إلى عالم البقاء. وظللت لعدة أيام أهرب من الخبر، ولا أستطيع تصديقه، ولا حتى الكتابة عنه، فقد كان سى محمد بن عيسى محبًا لأصدقائه، شديد الإيمان بالتواصل الإنسانى، عميق الفهم للحالة المصرية، لأنه درس فيها منذ بداية تعليمه الثانوى، وفهم شخصية شعبها، وأدرك عاداتها وتقاليدها، فكان بحق حلقة وصل مضيئة بين المشرق والمغرب العربيين، فى بساطةٍ وهدوءٍ ورُقى.

كان أول لقاءٍ جمعنى به فى القصر الملكى بالرباط، حيث كنت مرافقًا للرئيس الراحل محمد حسنى مبارك فى زيارته الرسمية للملك الحسن الثانى. وعلى موائد الطعام، وجدت نفسى أجلس إلى جانب السيد محمد بن عيسى، المثقف العربى الكبير ووزير الثقافة والخارجية بعد ذلك. يومها لاحظت أنه يلتقط طعامه باحتياطٍ شديد، رغم أن المائدة المغربية -والملكية منها تحديدًا- هى أفخر المآدب وأرقى الموائد، حتى إنه مع تغيير كل طبق يجرى تغيير مفرش المائدة المرتبط به. فقلت له يومها: «يا سى محمد، لماذا تأكل بهذا الحذر؟»، فقال لى: «إن طبيبه فى باريس قد نصحه ألا يأكل الدسم، ولا يبالغ فى الامتلاء بالطعام أو الشراب، حرصًا على صحته وامتداد عمره». ثم أضاف بن عيسى -رحمه الله- قائلًا: إنه سأل الطبيب: «إذا كنت سوف أتبع هذه الاحتياطات، فبأى مرض سأموت فى تلك الحالة؟»، فقال له الطبيب الفرنسى ساخرًا: «سوف تموت عندئذٍ بالنكد!».

قابلت السيد محمد بن عيسى فى كل زياراته لمصر، وكل زياراتنا للمغرب الشقيق، وكان الرجل فى كل الحالات ودودًا، حسن المعشر، رقيق الحاشية. لذلك، فإنه عندما طُلب منى اقتراح أسماء جديدة لمجلس أمناء مكتبة الإسكندرية، عندما كنت مديرًا لها، وضعت اسم المثقف المغربى الكبير محمد بن عيسى على رأس القائمة، إيمانًا منى بكفاءته العالية، واحترامًا لمكانته المرموقة.

وقد كان للرجل أصدقاء كثر فى مصر، أتذكر منهم الكاتب الصحفى سليمان جودة، والمفكر المثقف د. مصطفى حجازى، وخبير السياحة العالمية المتخصص فى الشئون الأمريكية الأستاذ عمرو بدر. ولقد أصابتهم جميعًا، مثلما أصابت كل المثقفين العرب، صدمة برحيل ذلك المفكر الكبير، الذى كان ينتمى إلى الإنسان فى كل زمانٍ ومكان، بلا تمييزٍ أو تفرقة، بسماحةٍ ومحبةٍ وبشاشةٍ يندر أن نراها فى حياتنا.

ولا أنسى مهاتفته لى، داعمًا ومشجعًا، عندما رشحتنى بلادى رسميًا لمنصب الأمين العام لجامعة الدول العربية عام ٢٠١١، وهو أمر لم يتحقق لأسباب سياسية خارجة عن إرادتى، ومتصلة بصراعات علوية وحسابات وقتية، أعفى نفسى من الخوض فيها. ولكنى أتذكر للسيد بن عيسى مجاملته لى، ودعمه المتواصل لما أكتب وما أقول.. رحمه الله، وعوَّض الثقافة والدبلوماسية خيرًا منه وبديلاً عنه، فلقد كان متفردًا بسماته الفكرية وصفاته الشخصية.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

اعترافات ومراجعات 98 آلام الرحيل اعترافات ومراجعات 98 آلام الرحيل



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 17:04 2025 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

أفضل الملابس الرجالية التي يمكن أن يختارها لترافقه

GMT 21:32 2022 السبت ,22 تشرين الأول / أكتوبر

التحقيق في سرقة قطع أثرية من متحف كلية آثار جامعة سوهاج

GMT 07:54 2020 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

أسعار الدواجن في مصر اليوم الخميس 05 تشرين الثاني /أكتوبر 2020

GMT 06:16 2025 الثلاثاء ,15 تموز / يوليو

ديكورات "مودرن" وعمليّة في غرف الجلوس

GMT 02:33 2018 الثلاثاء ,27 تشرين الثاني / نوفمبر

عائشة بن أحمد تكشّف عن اشتراكها مع تامر حسني في فيلمه

GMT 00:28 2017 الإثنين ,16 تشرين الأول / أكتوبر

الملك سلمان يؤكد دعمه لاستراتيجية أميركا الحازمة ضد إيران

GMT 18:29 2017 الأربعاء ,11 كانون الثاني / يناير

الفنانة أحلام تشيد بمصممة الأزياء فرح البابطين
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt